تدخل الساحة الفلسطينية اليوم مرحلة شديدة الخطورة والحساسية في ظل تسارع التحركات السياسية والتنظيمية الهادفة إلى إعادة تشكيل بنية القرار الفلسطيني بما يتجاوز مجرد الترتيبات الداخلية ليصل إلى محاولة رسم مستقبل القضية الفلسطينية بما يتوافق مع الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ومتطلبات المرحلة الإقليمية الجديدة.
وفي قلب هذه التحولات يبرز الحديث المتصاعد حول المؤتمر الثامن لحركة فتح المزمع عقده في رام الله وسط ظروف وطنية كارثية يعيشها الشعب الفلسطيني من حرب إبادة في غزة وتصعيد في الضفة الغربية ومحاولات مستمرة لشطب القضية الفلسطينية وتفكيك عناصر قوتها السياسية والشعبية والمقاومة.
إنّ خطورة هذا المؤتمر لا تكمن فقط في توقيته بل في طبيعة الأهداف غير المعلنة التي تحيط به، ومحاولة استخدامه كأداة لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني الداخلي، عبر إعادة تشكيل اللجنة المركزية وفرض شخصيات بعينها داخل مواقع القرار بما يضمن استمرار نهج سياسي محدد يخضع للاعتبارات الدولية والإقليمية أكثر مما يستجيب للإرادة الوطنية الفلسطينية.
وفي هذا السياق تتزايد المخاوف الفلسطينية من محاولات الدفع باتجاه منح ياسر عباس دوراً متقدماً ومؤثراً داخل بنية القرار التنظيمي والسياسي في خطوة يراها كثيرون تمهيداً لإعادة ترتيب مرحلة ما بعد (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) وفق معادلات تضمن بقاء السيطرة على القرار الفلسطيني ضمن دائرة محددة تخضع لحسابات النفوذ والتوازنات الدولية بعيداً عن مبدأ الشراكة الوطنية والتمثيل الحقيقي لإرادة الشعب الفلسطيني.
كما أنّ ما يزيد من خطورة المشهد هو تزامن هذه التحركات مع ضغوط سياسية ومالية هائلة تمارس على السلطة الفلسطينية خصوصاً فيما يتعلق بأموال المقاصة المحتجزة لدى الاحتلال الإسرائيلي حيث يجري تداول معطيات ومواقف تتحدث عن محاولات تبرير سياسات المقايضة السياسية عبر تخفيف أو تجميد التحركات القانونية والدبلوماسية المتعلقة بدعم الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بشأن جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني في غزة مقابل الإفراج عن جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية لأنّ القضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية مالية مرتبطة بالمقاصة أو المساعدات بل قضية شعب يتعرض لاحتلال وإبادة وتهجير ممنهج وبالتالي فإنّ أي تراجع عن المسار القانوني الدولي الذي بدأ يفضح جرائم الاحتلال أمام العالم يمثل انتكاسة خطيرة وتنازلاً مجانياً يمنح الاحتلال فرصة للهروب من المحاسبة الدولية.
لقد شكلت الدعوى التي تقدمت بها جنوب أفريقيا، وأيدتها دول أخرى، نقطة تحول مهمة في مسار المواجهة السياسية والقانونية مع الاحتلال بعدما أعادت توصيف ما يجري في فلسطين باعتباره جريمة إبادة جماعية موثقة أمام العالم وهو ما أربك إسرائيل وحلفاءها ودفعهم إلى ممارسة ضغوط هائلة لاحتواء تداعيات هذا المسار القانوني الخطير.
ومن هنا فإنّ أي محاولة للالتفاف على هذا الإنجاز السياسي والقانوني تحت ذرائع الأزمة المالية أو الحفاظ على الاستقرار السياسي تعني عملياً الانخراط في مشروع احتواء القضية الفلسطينية وإعادة تدوير الهزيمة تحت عناوين براغماتية وسياسية خطيرة.
إنّ الشعب الفلسطيني الذي قدم عشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى لا يمكن أن يقبل بتحويل دمائه إلى ورقة تفاوض مالية ولا أن تُدار قضيته الوطنية بعقلية المقايضة السياسية أو الحسابات الشخصية والفئوية الضيقة.
كما أنّ إعادة تشكيل مؤسسات "منظمة التحرير" أو حركة فتح بعيداً عن الإجماع الوطني والشراكة الحقيقية وفي ظل غياب انتخابات شاملة وشفافة لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وفقدان ما تبقى من الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية الفلسطينية.
إنّ المرحلة الراهنة ليست مرحلة إعادة توزيع مناصب أو ترتيب خلافة سياسية بل مرحلة مصيرية تتطلب بناء قيادة وطنية موحدة قادرة على حماية الثوابت الفلسطينية والحفاظ على خيار المقاومة ومنع تمرير مشاريع الهيمنة والتصفية التي تستهدف الشعب الفلسطيني ومستقبله السياسي.
ويبقى السؤال الأخطر: هل يتحول المؤتمر الثامن لحركة فتح، إلى محطة لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة بناء البيت الداخلي، أم يصبح بوابة جديدة لفرض وقائع سياسية خطيرة تمهد لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية بـ"أيدي فلسطينية"؟.
و في خضم هذا المشهد المعقد والخطير لم يعد مقبولاً استمرار حالة التشرذم والانقسام والتفرد بالقرار الوطني في وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية لمحاولات إعادة صياغة وتفكيك غير مسبوقة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تحرك وطني شامل يدعو جميع القوى والفصائل الفلسطينية لمواجهة حالة التفريط والتآكل التي أصابت مؤسسات القرار الفلسطيني خلال العقود الماضية.
إنّ الأزمة الفلسطينية لم تبدأ فقط عند حدود الانقسام السياسي بل تعمقت منذ لحظة الدخول في مسار التنازلات السياسية والتخلي التدريجي عن ثوابت الميثاق الوطني الفلسطيني وصولاً إلى المشهد الذي جرى فيه تعديل بنود أساسية من الميثاق تحت الضغوط الأمريكية وأمام الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في غزة بما فتح الباب أمام مرحلة طويلة من الارتهان السياسي والتبعية وفقدان القرار الوطني المستقل.
ختاماً: وأمام خطورة المرحلة فإنّ المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاح إداري أو إعادة تدوير للسلطة، بل الاتفاق على برنامج وطني جامع يعيد تثبيت الحقوق والثوابت الفلسطينية ويحفظ حق الشعب الفلسطيني الكامل في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل التي كفلتها القوانين الدولية وفي مقدمتها المقاومة والكفاح المسلح باعتبارهما خياراً أساسياً لشعب واقع تحت الاحتلال إلى جانب باقي أشكال المقاومة السياسية والشعبية والإعلامية والقانونية.
فالقضية الفلسطينية لا يمكن أن تُحمى بالمراهنة على الوعود الأمريكية أو التسويات المفروضة بل بوحدة الشعب الفلسطيني واستعادة مشروعه الوطني التحرري القائم على المقاومة والتمسك بالحقوق التاريخية بعيداً عن الضغوط والإملاءات ومحاولات تدجين الهوية الوطنية الفلسطينية أو اختزالها ضمن حسابات السلطة والمال والسياسة الضيقة.
*باحث وكاتب سياسي/ فلسطين
السبت 9 أيار 2026