لم تعد ملامح الصراع الدولي والإقليمي خافية على أحد بل باتت تتشكل بوضوح في مشهدٍ يختلط فيه التفاوض بالخداع والهدنة بالتصعيد والسياسة بالحرب المفتوحة. فمنذ سنوات لم تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بتعهداتها تجاه إيران وانقلبت على التفاهمات التي أُبرمت ضمن إطار مجموعة 5+1، في خطوةٍ شكّلت ضربة قاسية لمنظومة الثقة الدولية ورسالة واضحة بأن منطق القوة لا يزال يتقدم على منطق القانون.
لم يطل الوقت حتى عادت واشنطن إلى طاولة المفاوضات لكن هذه العودة لم تكن سوى استراحة تكتيكية سبقت جولة جديدة من التصعيد. ففي خضم الحوار اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة عام 2024، بمشاركة "إسرائيل" لتؤكد مجدداً أن الحرب باتت خياراً موازياً للدبلوماسية لا بديلاً عنها حربٌ قصيرة زمنياً لكنها عميقة الأثر تركت خلفها رسائل دم ودمار ومؤشرات على أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة من الصراع.
ومع انحسار أزيز الطائرات عادت لغة التفاوض لكن تحت سقف التهديد، دفعت الحسابات الاستخباراتية الإسرائيلية–الأمريكية نحو مغامرة جديدة قائمة على فرضية إسقاط النظام الإيراني خلال أيام عبر “ضربة قاصمة” تستهدف رأس القيادة ومفاصل الدولة. غير أن هذه المقاربة التي بدت واثقة في تقديراتها سرعان ما اصطدمت بواقع مغاير.
إيران التي تلقت ضربة قاسية بفقدان قيادات بارزة لم تنهَر كما توقعت مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، بل أعادت ترتيب صفوفها بسرعة لافتة وملأت الفراغ القيادي واستعادت زمام المبادرة بحيث ظهرت كطائر الفينيق الذي ينهض من تحت الرماد لتؤكد أن بنية الدولة لم تكن هشة كما رُوّج وأن حسابات إسقاطها كانت أقرب إلى الوهم السياسي منها إلى الواقع.
الأخطر في المشهد لم يكن فقط صمود طهران بل انتقالها إلى استراتيجية الرد المركّب. فقد بدأت بتفعيل أوراق القوة الإقليمية مستهدفة القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج في رسائل مباشرة مفادها أن أي حرب لن تبقى محصورة داخل حدودها، ومع تصاعد الضربات دخل العالم في دائرة قلق غير مسبوقة خصوصاً مع تهديدات تمس شريان الاقتصاد العالمي.
هنا برزت ورقة الطاقة كسلاح استراتيجي حاسم. فمع كل استهداف لمنشآت إيرانية، كانت طهران تلوّح بخيارات قادرة على إدخال العالم في أزمة طاقة خانقة عبر تعطيل الممرات الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية والتهديد باستخدام ورقة باب المندب عبر حلفائها في اليمن. هذا التلويح لم يكن مجرد تهديد إعلامي بل تحول إلى عامل ضغط فعلي أربك الأسواق وأعاد رسم حسابات القوى الكبرى.
في المقابل حاولت إدارة دونالد ترامب امتصاص الصدمة عبر الإعلان عن هدنة مؤقتة والدفع نحو مفاوضات جديدة إلا أن أزمة الثقة مع الجانب الإيراني بدت أعمق من أن تُحل بتصريحات متقلبة فالسوق العالمية كما الحلفاء لم تعد تثق بسهولة بالسياسات الأمريكية التي تتبدل بوتيرة سريعة ما زاد من حالة الاضطراب الدولي.
ولم تتوقف التداعيات عند حدود الشرق الأوسط بل امتدت إلى بنية النظام الدولي ذاته. فقد أثارت السياسات الأمريكية بما فيها محاولات فرض حصار بحري والتحكم بالممرات الاستراتيجية ردود فعل غاضبة من قوى دولية عدة، وفتحت الباب أمام تصدعات داخل تحالفات تقليدية مثل حلف شمال الأطلسي الذي بدأ يواجه تحديات غير مسبوقة في تماسكه ووحدة مواقفه.
في خضم هذا المشهد المعقد يبرز السؤال الجوهري: من يملك عامل الوقت؟
هل هو ترامب المثقل بأزمات داخلية وضغوط اقتصادية وانتخابية؟ أم إيران، التي تعاني من حصار طويل لكنها تستند إلى تماسك داخلي واستعداد شعبي لافت لتحمل الكلفة؟
الأكيد أن الطرفين يواجهان معادلة صعبة: واشنطن لا تملك ترف حرب طويلة مكلفة وطهران لا تستطيع الاستمرار في ظل حصار خانق دون البحث عن كسر هذا الطوق. وبين هذين الخيارين يبقى احتمال الانفجار الكبير قائماً، خصوصاً في ظل حالة “اللا حرب واللا سلم” التي تهيمن على المنطقة.
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر:
هل نحن على أعتاب الحرب الكبرى؟
المؤشرات تقول إن العالم يقف على حافة مرحلة قد تكون مختلفة جذرياً عما سبق. فالحرب القادمة - إن اندلعت - لن تكون تقليدية، بل متعددة الأبعاد: عسكريةـ اقتصاديةـ سيبرانيةـ وطاقويةـ حرب قد تعيد تشكيل النظام الدولي وتدفع العالم إلى سنوات من الاضطراب وربما تعيده إلى ما يشبه عصور ما قبل الاستقرار الاقتصادي الحديث.
والاستنتاج الاهم: لم تعد الحرب احتمالاً بعيداً بل سيناريو يُبنى تدريجياً عبر التراكمات وما بين الحسابات الخاطئة وغطرسة القوة وإصرار الأطراف على كسر إرادة الآخر، يبقى العالم معلقاً على لحظة قد تغيّر كل شيء… لحظة قد تُعلن بداية الحرب الكبرى أو تؤجلها إلى حين.
* باحث وكاتب سياسي فلسطيني.
الخميس 30 نيسان 2026