فيما يتباهى أركان سلطة الاحتلال اللبنانية بأنهم نجحوا في فصل مسار الحرب على لبنان عن مسار التفاوض الإيراني - الأميركي، يتجاهلون، من دون خجل، أن العدو لم يلتزم ولو للحظة بما يسمونه هدنة يبدو أنها تترنّح يوماً بعد آخر. إذ سُجّل حتى مساء أمس 241 خرقاً أوقعت شهداء وجرحى، فيما يواصل أكبر جريمة حرب في تاريخ لبنان، وأوسع عملية تدمير ممنهج وتجريف ونسف للحواضر المدنية في المنطقة المحتلة.
في هذه الأثناء، برزت تصريحات لافتة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، أعاد فيها إدراج الملف اللبناني ضمن النقاشات الإقليمية، مؤكداً أن النقاط العالقة في المفاوضات الأميركية - الإيرانية لا تتعلق بمضيق هرمز، بل تشمل مطالب إيرانية صريحة بوقف شامل لإطلاق النار في لبنان، وإعلان نهاية الأعمال العدائية، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية المحتلة، إضافة إلى تحرير الأرصدة الإيرانية المجمدة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تعارض هذين البندين.
وبحسب مصدر إيراني تحدّث لـ«الأخبار»، فإن طهران أبلغت الوسيط الباكستاني أن البند المتعلق بلبنان غير قابل للنقاش. وفي المقابل، نقل الوسيط موقفاً أميركياً يفيد بأن التفاوض اللبناني - الإسرائيلي المباشر سيحقق هذه الأهداف سريعاً، وأن واشنطن لا تريد أن يكون الملف اللبناني من ضمن المباحثات مع إيران.
وفيما لا تعترف المقاومة بوجود وقف فعلي لإطلاق النار، وواصلت أمس استهداف قوات الاحتلال في الجنوب، عبر قصف مواقع مدفعية ونقاط تجمّع في القطاعين الأوسط والغربي، وسّع العدو نطاق اعتداءاته إلى مناطق أبعد، بذريعة ملاحقة المقاومين، مرتكباً جريمة جديدة بحق الصحافيين، عبر استهداف سيارة ومنزل لجأت إليهما الزميلتان آمال خليل (المراسلة الميدانية لـ«الأخبار» في الجنوب) والمصورة الصحافية زينب فرج، في بلدة الطيري، بعد دقائق من استهداف شابين في سيارة كانت تسير أمام سيارتهما.
رغم ذلك، يواصل أركان السلطة المجاهرة بخضوعهم لإملاءات العدوّين الأميركي والإسرائيلي، والترويج لمسار التفاوض المباشر مع العدو. وهم أعلنوا أمس أن اللقاء المرتقب اليوم في واشنطن بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي سيبحث طلباً لبنانياً لتمديد الهدنة، فيما سرّب مكتب رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو أن تل أبيب تدرس الطلب، مقابل مطالبة لبنان بخطوات عملية ضد حزب الله.
في المواقف العلنية، يتجنّب الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام التطرق إلى مجزرة التدمير الجارية في الجنوب، ويركّزان على توفير متطلبات الحل وفق النظرة الأميركية، مع علمهما بأنهما غير قادرين أبداً على فرض أي واقع طالما أن المقاومة تواصل قتالها للعدو حيث يوجد في الجنوب. وهو ما أكده أمس النائب حسين الحاج حسن، بتأكيده “أننا لم نعد ملتزمين بوقف إطلاق النار وسنردّ وفق تقديرنا للموقف”.
وفيما تتجه الأنظار إلى واشنطن، بقي السؤال حول قدرة لبنان أساساً على خوض التفاوض كدولة مكتملة القرار. إذ يبدو عالقاً بين إيقاعين متناقضين: ضغط ميداني متسارع يفرض وقائع يومية، ومسار سياسي بطيء ينتظر تسويات إقليمية لم تنضج بعد.
تتحدث الدولة عن تمديد للهدنة
بينما الحرب متواصلة في كل الجنوب
ويواصل العدو مجازره ضد المدنيين وتدميراً ممنهجاً للبلدات والقرى
ولا يقتصر جوهر الأزمة على خضوع السلطة لإملاءات واشنطن واستيلائها على القرار اللبناني، بل يتعدّاه إلى خيار الذهاب إلى التفاوض من دون غطاء وطني، ما يضعف القدرة على الالتزام أو تحقيق أي مكاسب. في المقابل، يتحرك العدو وفق أجندة واضحة، من «الخط الأصفر» وما بعده، مستفيداً من عجز رسمي لا يملك سوى خطاب سيادي تنظيري. فالعنوان المعلن هو تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الاحتلال، كما يكرر رئيس الجمهورية، لكن هذا الخطاب يصطدم بضعف أدواته، ما يمنح العدو هامشاً أوسع لتثبيت احتلاله وفرض وقائع جديدة.
وعليه، لم يعد ما يجري في الجنوب مجرد خروقات عابرة، بل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة. فالتدمير المنهجي للقرى والبنى التحتية يتجاوز الضغط العسكري إلى محاولة فرض واقع دائم قد يتحوّل لاحقاً إلى نقطة انطلاق لأي تسوية.
ومع ذلك، يواصل عون التمسّك بهذا المسار، مشيراً إلى تواصله مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، والنائب السابق وليد جنبلاط، إلى جانب قيادات أخرى، لمواكبة الجهود الرامية إلى تثبيت وقف النار، معتبراً أن المرحلة تتطلب «واقعيّة وحكمة وعقلانية وإدراكاً للواقع اللبناني»، داعياً الجميع إلى “مواكبة هذا التوجه والمساهمة في إنهاء معاناة لبنان عموماً، والجنوب خصوصاً”.
وفي هذا السياق، برزت حركة اتصالات ومشاورات، تصدّرها الاتصال الذي تلقاه عون من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث جرى التأكيد على دعم المفاوضات الثنائية الهادفة إلى وقف الأعمال العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب. كما بادر رئيس الجمهورية إلى الاتصال بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، شاكراً “دعمه الشخصي ودعم المملكة للبنان”.
ومن باريس، تلاقت مواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار والدفع نحو مسار سياسي شامل. فيما أفادت معلومات عن اجتماعات مكثّفة يعقدها الأمير يزيد بن فرحان في العاصمة الفرنسية، في إطار مساعٍ لتمديد وقف إطلاق النار في لبنان. وكشفت مصادر مطلعة أن بن فرحان نقل إلى المسؤولين اللبنانيين رسالة تتضمن امتعاضاً من الاستعجال في مسار التفاوض مع إسرائيل، مشدّداً على أن ذلك «يجب أن يحصل ضمن مبادرة عربية شاملة».