مضت ستة أشهر على وقف إطلاق النار الهشّ في قطاع غزة، انتقلت خلالها إسرائيل تدريجياً من التصعيد المتقطّع، الذي تتذرع فيه بحدوث «اختراق» من قِبل المقاومة يستدعي الردّ، إلى ما يمكن وصفه بـ«المحاسبة على النية»؛ أي أن تغتال مقاوماً وسط عائلته أو داخل استراحة أو سوق شعبية، بذريعة أنه كان ينوي تنفيذ أعمال معادية ضدّ قوات جيش الاحتلال المنتشرة خلف «الخط الأصفر».
ومع الوصول إلى المرحلة الحالية، يكون العدو قد تحلّل، إلى حدّ كبير، من اتفاق وقف إطلاق النار؛ إذ استنسخ، منذ بدء الحرب على إيران ولبنان، نموذج «اليد المطلقة» الذي مارسه عقب حرب الـ66 يوماً في لبنان على مدار عام ونصف العام.
فلا يكاد يمرّ يوم واحد في غزة من دون تسجيل عملية اغتيال أو إطلاق نار في اتّجاه منازل المواطنين وخيامهم القريبة من «الخطّ الأصفر». ومنذ شهرين، استشهد ما معدّله خمسة فلسطينيين يومياً، بالتوازي مع قصف يومي بمدافع «الهاوتزر» يستهدف المناطق الشرقية من القطاع.
أمّا المشهد الإنساني، فلا يبتعد عمّا يجري ميدانياً؛ إذ تنصّلت إسرائيل أيضاً من غالبية التفاهمات التي رافقت «ورقة ترامب»، وذلك عبر تقليص إدخال شاحنات المساعدات
والبضائع إلى ثلث الكمية المتّفَق عليها (بواقع 200 شاحنة يومياً بدلاً من 600)، وحصر ما يُسمح بإدخاله بالبضائع الاستهلاكية، مثل الخضار والفواكه والطحين، إلى جانب عدد محدود جداً من شاحنات الوقود لا يتجاوز 20 شاحنة. في المقابل، منع الاحتلال إدخال ما يسمّيها البضائع «المزدوجة الاستخدام»، والتي تندرج ضمنها مواد البناء والحجارة، وحتى زيوت السيارات والمولّدات، ما أدى، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إلى خروج مئات مولّدات الكهرباء التي تشغّل آبار المياه والمستشفيات عن الخدمة.
وعلى المقلب السياسي، يتلخّص جوهر ما يطرحه الأميركيون والإسرائيليون، عبر المندوب السامي لغزة، نيكولاي ملادينوف، وفق ما نقله مصدر مطلع في حركة «حماس» إلى «الأخبار»، بالآتي: «سلّموا السلاح ونتفاهم على باقي التفاصيل»، من دون الالتفات إلى التنصّل الإسرائيلي الكامل مما سُمّي «المرحلة الأولى من خطة ترامب». ورداً على ما يريده «مجلس السلام» من فصائل المقاومة، يجيب المصدر بأن «المطلوب هو نزع سلاح غزة بالكامل، بدءاً من آخر صاروخ متبقٍّ إلى آخر مسدس فردي، من دون أيّ مقابل".
ويضيف المصدر أن ما يطالبون به يتمثل في «أن تمدّد إسرائيل ظاهرة العملاء والخونة الذين ينفذون يومياً هجمات ومحاولات اغتيال، فيما نسلّم سلاحنا وننتظر ذبحنا. هذا هو الحدّ الأدنى من التحدّيات القائمة. أما العدو، فيريد أن يعربد في القطاع بيد مطلقة، من دون أيّ التزام بالانسحاب أو إعادة الإعمار». ويتابع أنه عندما نسأل عن القوات الدولية المفترض أنها تحفظ السلام، يكون الجواب: «بعد تسليم السلاح». أمّا عند السؤال عن وقف القصف والاغتيالات وتفكيك مجموعات العملاء، فيكون الردّ أيضاً: «بعد تسليم السلاح»، وذلك وفقاً للمصدر نفسه الذي يشير إلى أن «مجلس السلام اختزل بنود خطّة ترامب العشرين في بند واحد هو تسليم سلاح المقاومة، من دون أيّ حديث عن القضايا الأخرى".
اختزل «مجلس السلام» بنود خطة ترامب العشرين
في بند واحد هو تسليم سلاح المقاومة
إزاء هذه المعادلة المرفوضة وطنياً وفصائلياً، يخيّم الجمود على اجتماعات وفود فصائل المقاومة مع الوسطاء المصريين والأتراك. وفي محاولة لإحداث خرق يمنع إسرائيل من إيجاد مبرّر للعودة إلى القتال، ولا سيما بعد تراجع حدّة المواجهات على الجبهتَين اللبنانية والإيرانية، التقى وفد من حركة «حماس»، للمرة الأولى، مسؤولين أميركيين في العاصمة المصرية القاهرة، الثلاثاء الماضي.
وبحسب مصادر صحافية، ترأس القيادي خليل الحية وفد «حماس»، الذي اجتمع بوفد أميركي يرأسه كبير المستشارين آرييه لايتستون، ويضمّ أيضاً ملادينوف. وخلال الاجتماع، تمسّكت «حماس» بالموقف الفصائلي الموحّد، الذي يشترط تنفيذ كامل استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، بما يشمل وقف الهجمات الإسرائيلية وإدخال المساعدات الإنسانية، قبل الانتقال إلى بحث المرحلة الثانية.
وفي المقابل، أصرّ الوفد الأميركي على الحصول على موافقة مبدئية ومكتوبة من «حماس» على ورقة مقترحة تتضمّن الانتقال إلى ترتيبات المرحلة الثانية، بما في ذلك مسألة نزع سلاح المقاومة، على أن يجري لاحقاً التفاوض على تفاصيل تنفيذ المرحلة الأولى، وهو ما اعتبرته الحركة محاولة للالتفاف على الالتزامات الأساسية المفترض تنفيذها من جانب الاحتلال. وأوضحت المصادر أن الطرح الأميركي يفتقر إلى جداول زمنية واضحة أو ضمانات ملزمة للاحتلال الإسرائيلي، وهو ما عزّز شكوك وفد «حماس» في جدية المقترحات.
كذلك، شكّل الإصرار على إدراج بند نزع السلاح في أيّ تفاهمات أوّلية نقطة الخلاف المركزية؛ إذ رفضت الحركة هذا الأمر بشكل قاطع، معتبرة أن البند المذكور هو جوهر النزاع ولا يمكن القبول به ضمن أيّ اتفاق مرحلي.
وفي السياق نفسه، أفادت شبكة «سي إن إن» الأميركية بأن هذه المحادثات تُعدّ الأولى المباشرة بين الولايات المتحدة و«حماس» منذ سريان وقف إطلاق النار، وجاءت ضمن جهود أميركية لدفع الاتفاق الهشّ إلى مراحل متقدّمة. ونقلت الشبكة عن مصادر أن الحية شدّد، خلال اللقاء، على ضرورة «التزام إسرائيل» بتنفيذ المرحلة الأولى بالكامل قبل الانتقال إلى أيّ شيء لاحق، مشيرةً إلى أن اللقاء جاء بعد أيام من اجتماع لايتستون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي أبدى استعداد الكيان لتنفيذ التزامات المرحلة الأولى، شرط التزام «حماس» بنزع سلاحها.
وكان ملادينوف قدّم، في وقت سابق، «ورقة الـ250 يوماً»، التي تتضمّن مساراً تدريجياً لنزع السلاح، يبدأ بدخول لجنة متخصّصة للإشراف على التنفيذ، مروراً بخطّة أولية تستهدف سحب السلاح الثقيل من المناطق الواقعة تحت سيطرة جيش الاحتلال، قبل الانتقال إلى مرحلة لاحقة تشمل نزع السلاح الثقيل من المناطق الخاضعة لسيطرة حركة «حماس». غير أن الفصائل الفلسطينية وصفت هذه الورقة بأنها «فضفاضة»، معتبرة أنها تتيح بقاء قوات الاحتلال في القطاع بذريعة استمرار التهديدات، حتى بعد جدول انسحابها، في ما يعكس، بحسب تعبيرها، مناورة لإطالة أمد الوجود العسكري الإسرائيلي.
في موازاة ذلك، تشير مصادر مصرية مطّلعة على جلسات فصائل المقاومة مع الوسطاء، إلى أن حركة «حماس» أحجمت عن تقديم أيّ التزام يتعلّق بقضية نزع السلاح. وعزت المصادر هذا الإحجام إلى ما وصفته بوجود وعود إيرانية للحركة بتوحيد الساحات وطرح مختلف الأزمات على طاولة واحدة، بما فيها غزة ولبنان. وإذ حاولت «الأخبار» الحصول على تعليق من «حماس» بشأن هذه النقطة، إلا أن مصدراً قيادياً في الحركة أوضح أن الموقف من تفاهمات نزع السلاح يرتبط أساساً بـ«انعدام الثقة بالعدو الإسرائيلي، الذي أثبت مراراً أنه غير جدير بالثقة، ونكث وتنصّل من جميع استحقاقات المرحلة الأولى من خطة ترامب». لكنه لم ينفِ وجود تواصل دائم مع «الإخوة الإيرانيين»، مضيفاً: «نحن ندرك في النهاية أن عدونا واحد، وأن أيّ تراجع إسرائيلي - أميركي في أيّ ساحة قتال سيخدم شعبنا وقضيتنا».
*المصدر جريدة الأخبار اللبنانية