قائمة الموقع

الشرق الأوسط الجديد… سقط المشروع وبقيت المقاومة

2026-04-08T13:33:00+03:00
بقلم: يوسف أبو سامر*

لم يعد الحديث عن "شرق أوسط جديد" كما رُوِّج له، يحمل ذات المعاني التي سعت قوى الهيمنة إلى فرضها على شعوب المنطقة. فبعد مرور أربعين يومًا على العدوان الأمريكي–الصهيوني، وبمباركة بعض الأنظمة الخليجية، تَبيَّن أن موازين القوى ليست كما خُطِّط لها، وأن إرادة الشعوب لا تزال قادرة على إعادة تشكيل المشهد.

لقد أثبتت إيران أنها عصيّة على الانكسار والخضوع، مستندة إلى قناعة راسخة بعدالة قضاياها، في نصرة المستضعفين، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني المقاوم وقضيته العادلة. وفي خضم هذا الصراع، كشفت زيف الخطاب الغربي الذي طالما تغنّى بحقوق الإنسان والعدالة، بينما يمارس ازدواجية صارخة في التعاطي مع قضايا المنطقة.

لم تكن المواجهة تقليدية، بل اتخذت أشكالًا متعددة، حيث فرضت إيران معادلات جديدة، ونجحت في استخدام عناصر قوتها لفرض شروطها، مثبتة أن من يمتلك الإرادة يمكنه أن يفاوض من موقع القوة لا الضعف. كما أن وحدة الشعب الإيراني، بمختلف مكوناته، والتفافه حول قيادته، شكّلت عنصر صمود أساسيًا، عكس حالة التشتت والانقسام التي تعاني منها أطراف أخرى.

في المقابل، كشفت الأحداث عن عمق الأزمة التي تعيشها بعض الأنظمة العربية، التي ارتهنت لوعود الحماية الأمريكية، بينما كانت شعوبها تُستنزف، وثرواتها تُنهب. ورغم كل الادعاءات، لم تكن إيران يومًا مصدر تهديد لهذه الأنظمة، بل على العكس، مدّت يد العون في محطات عديدة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة "العدو" الذي تم الترويج له.

بعد أكثر من أربعين يومًا من العدوان، وما رافقه من استهداف للمدنيين وقتل الأطفال، أكدت ‘يران وبالميدان أن "العين تقاوم المخرز"، وأن الصمود ليس شعارًا بل ممارسة تُترجم على الأرض. لقد أدارت إيران المواجهة بحكمة، مستفيدة من أوراق قوتها بشكل تدريجي، حتى فرضت واقعًا جديدًا على أعدائها.

كما أن هذا الصمود لم يكن انعزاليًا، بل جاء في إطار شبكة تحالفات حافظت فيها الجمهورية على التزاماتها تجاه حلفائها، مؤكدة أن أي إنجاز يجب أن يكون جماعيًا، وأن وقف إطلاق النار لا يكون انتقائيًا بل شاملًا لكل الساحات.

وفي لبنان، أثبتت المقاومة أنها لا تزال حاضرة بقوة، وأن التضحيات التي قُدِّمت لن تذهب سدى، بل ستُترجم في معادلات سياسية وميدانية تحفظ كرامة البلاد وترفض أي شكل من أشكال الاستسلام أو التطبيع.

إن ما جرى لم يكن مجرد جولة صراع عابرة، بل محطة مفصلية أعادت رسم ملامح المرحلة القادمة، ووجهت رسالة واضحة لكل من راهن على إخضاع المنطقة: أن زمن الهيمنة المطلقة قد ولّى، وأن إرادة الشعوب قادرة على قلب المعادلات.

ورغم الألم العميق الذي تعيشه فلسطين، في غزة والضفة والداخل المحتل، ورغم حجم التضحيات، فإن الشعور بالعزة لم ينكسر. فمن تحت الركام، ومن قلب المعاناة، يخرج صوت يؤكد أن الحق لا يُهزم، وأن مسار المقاومة لا يزال حيًا.

إن المرحلة القادمة تُكتب بدماء الشهداء، وعنوانها ليس الهزيمة، بل إعادة بناء الوعي ووحدة الأمة على قاعدة الكرامة والسيادة، بعيدًا عن مشاريع الإخضاع والتبعية.

لقد سقطت أوهام كثيرة، وبقيت حقيقة واحدة: أن الشعوب التي تصبر وتقاوم، هي وحدها من تصنع مستقبلها وتكتب التاريخ.

* كاتب وسياسي / فلسطين

اخبار ذات صلة