قائمة الموقع

الذكرى الخمسون ليوم الأرض الخالد... الفلسطينيون يتمسكون بالأرض وبروح يوم الأرض

2026-03-30T03:13:00+03:00
وكالة القدس للأنباء - متابعة

مضى نصف قرن على يوم الأرض الخالد 30 آذار 1976، يوم هبّت جماهير شعبنا الفلسطيني بالداخل الفلسطيني المحتل عام  48 دفاعا عن الأرض وللتصدي لمخططات المصادرة، التي لم تتوقّف منذ نكبة فلسطين. كانت تلك معركة عادلة بامتياز: أصحاب حقّ يذودون عن حقّهم ويحمونه من الذين يعتدون عليه ويريدون سلبه.

وتأتي ذكراه الخمسون وشعبنا يتعرّض لعدوان إجرامي متواصل تجلّى بالإبادة الجماعية والتدمير الشامل في قطاع غزة، ومساع محمومة ومنفلتة لتهجيره عن وطنه. وإذ تمتد مشاريع الترحيل عن الأرض من غزة إلى الضفة ومن القدس إلى الداخل، فإنّ شعبنا يتمسك بالأرض وبروح يوم الأرض، روح الصمود والإصرار على البقاء ومواجهة التحديات مهما كانت الأثمان.

خلفية تاريخية

منذ اغتصابها أرض فلسطين، اتّبع كيان العدو الصهيوني سياسةً ممنهجةً للاستيلاء على الأراضي العربيّة وسلبها من أصحابها لصالح المجتمع اليهوديّ. فبعد الاستيلاء على أراضي اللاجئين، شرعت في مصادرة ملايين الدونمات من أراضي الفلسطينيّين الذين بقوا داخلى ما يسمى الخطّ الأخضر. وسنّت عشرات القوانين لمصادرة الأرض، واستعملتها لسلب مساحات واسعة من الأراضي في جميع البلدات العربيّة، واستولت على غالبيّة أراضي المواطنين العرب. وقد خلّفت هذه المصادرات جرحًا عميقًا في المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في الداخل، وتراكُمًا للغضب الشعبيّ والجهوزيّة الكفاحية، وهو ما تجلّى في المشاركة الشعبيّة الواسعة في إضراب يوم الأرض وفي الحراك الذي مهّد له.

وبالتزامن مع الحراك الجماهيريّ ضد المصادرة عام 1976، قدّم متصرّف لواء الشّمال في وزارة الداخلية، يسرائيل كينيغ، توصيات فاشيّة لكسر المعنويات قبل يوم الأرض وبعده، وباتت هذه التوصيات تُعرف بـ"وثيقة كينيغ". وشملت الوثيقة دعوةً لتكثيف مشاريع تهويد الجليل عبر مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات ونقل السكان اليهود لخلق أكثريّة يهوديّة في الجليل. وتضمّنت توصياتٍ بتشجيع الهجرة، ومحاصرة المدّ الوطنيّ للمواطنين العرب، والعمل على ضرب القيادات التي أسماها قومية "متطرّفة".

لجنة الدفاع عن الأراضي

أُقيمت لجنة الدفاع عن الأراضي للتصدّي لمخططات المصادرة التي أخذت بُعدًا تصعيديًّا خطيرًا. ففي 29.7.1975 عُقد اجتماع تشاوري في حيفا حضره عدد من المبادرين لحملة الاحتجاج على مصادرة الأراضي، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، وقيادات وطنية، ومحامون، وأطباء، ومثقفون، وأصحاب أراضٍ، وصحافيون، وتقرّر فيه إقامة "لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي".

وتبعًا لقرارات اجتماع حيفا، عُقد في الناصرة يوم 15.8.1975 اجتماع شعبي موسّع انتخب لجنة تحضيرية مكوّنة من 40 شخصية، تأسست منها وعلى أساسها لجنة الدفاع عن الأراضي. واستنادًا إلى قرارات هذا الاجتماع، عُقد في الناصرة يوم 18.10.1975 مؤتمر شعبي كبير حضره الآلاف، وترأسه د. أنيس كردوش، وأقرّ المؤتمر "إعلان الإضراب العام.. إذا لم تتراجع الحكومة عن مخططات المصادرة وتهويد الأرض". وفي 6.3.1976 أعلنت لجنة الدفاع عن الأراضي الإضراب العام في الثلاثين من آذار - يوم الأرض


.

الاستعدادات ليوم الأرض

لم يكن يوم الأرض وليد هبّة عفويّة فحسب، بل سبقته حالة من الاحتقان والجهوزية التنظيمية والشعبية. وقد أخذ التحضير ليوم الأرض زخمًا جديًّا بعد تكثيف مخططات التهويد والمصادرة في أواسط السبعينيات. ووُثّقت هذه الحالة في "الكتاب الأسود" الذي صدر عن لجنة الدفاع عن الأراضي في أيلول 1976.

في أعقاب الكشف عن خطّة حكومة إسرائيل ونيّتها بمصادرة أراضي "الملّ" (المعرّفة منطقة 9) تشكّـلت في البلدات المعنيّة، سخنين وعرّابة ودير حنّا وعرب السواعد وغيرها، لجان وهيئات شعبيّة للدفاع عن الأراضي. كما وتشكّلت لجنة الدفاع عن الأراضي تنظيما قطريّا جامعا، شارك في عضويّتها ممثّلون عن قطاعات وحركات مختلفة. والتفّت الجماهير حول هذه اللجان والتي بدأت تطالب بالإعلان عن إضراب عام وشامل لمواجهة خطّة المصادرة ومجمل سياسات الاضطهاد الحكومية.

وفي اجتماع موسّع للجنة الدفاع عن الأراضي عُقد في الناصرة يوم 6.3.1976، وبحضور العديد من رؤساء السلطات المحلية العربية، تقرّر الإضراب العام والشامل بتاريخ 30 آذار. وبعد هذا الإعلان، بُوشر العمل بشكل واسع لتنفيذ القرار.

وبالوقت نفسه، عملت سلطات الاحتلال بكلّ قوتها على إفشال الإضراب. وشملت هذه محاولاتها تفعيل ضغوط حكومية هائلة على رؤساء السلطات المحلية العربية، الذين اجتمعوا بتاريخ 25.3.1976 في بلدية شفاعمرو، وقدمت مجموعة منهم اقتراحًا بإلغاء الإضراب. وجوبه الاقتراح بمعارضة شديدة من عدد من الرؤساء، وأطلق رئيس بلدية الناصرة المرحوم توفيق زياد في الاجتماع هتافه الشهير: "الشعب قرر الإضراب". وأكد الرؤساء الداعمون للإضراب على أن الرؤساء ليسوا مخوّلين بالقرار بشأن إضراب أعلنته لجنة الدفاع عن الأراضي.

واحتشدت جماهير غفيرة خارج قاعة الاجتماع في تظاهرة شعبية دعمًا للإضراب، واعتدت الشرطة على المحتشدين بالهراوات والغاز المسيل للدموع، واندلعت مواجهات عنيفة لعدة ساعات، وكانت تلك انطلاقة المواجهات التي تُوّجت في يوم الأرض.

وخلال الأيام التي تلت اجتماع الرؤساء في شفاعمرو، تصاعدت التحضيرات التنظيمية والتعبئة الجماهيرية للإضراب العام المقرّر في الثلاثين من آذار. وفي أجواء من الإصرار والحماس، شاركت العديد من القوى السياسية، واتحاد لجان الطلاب العرب، ولجنة الطلاب الثانويين، وأعضاء سابقون من حركة الأرض المحظورة، ورؤساء وأعضاء سلطات محلية، واللجان الشعبية المحلية، ولجنة المبادرة الدرزية، وهيئات جماهيرية، وأصحاب الأراضي، في التجنيد لإنجاح الإضراب،.. فيما جابت أعداد غفيرة من النشطاء البيوت، بيتا بيتا، للدعوة إلى الإضراب وعدم الخروج للعمل. وتجلّت في هذا العمل الجبّار الطاقات الهائلة للوحدة الوطنية الكفاحية التي صنعت يوم الأرض الخالد.

تفصيل الأحداث  

في مساء التاسع والعشرين من آذار 1976، انطلقت أول مظاهرة في دير حنّا، أقام فيها المحتجّون المتاريس وأحرقوا الإطارات ورفعوا شعارات تندّد بالمصادرة وبسياسات القمع التي تمارسها سلطات الاحتلال. وبعد قمع مظاهرة دير حنّا، انطلقت مظاهرة مسائية أخرى في بلدة عرّابة المجاورة، وتدخّلت قوات أكبر من الشرطة والجيش لقمعها مستخدمة الرصاص الحيّ إضافة إلى الغاز المسيل للدموع، فاستشهد الشاب خير ياسين من عرّابة في هذه المظاهرة، وكان أول شهيد في يوم الأرض.

ومع انطلاق فجر الثلاثين من آذار 1976، دخل الإضراب حيّز التنفيذ في جميع مرافق الحياة في المدن والقرى العربية في البلاد. وانتشر النشطاء مبكرًا في جميع أنحاء البلدات العربية للحث على إغلاق المحلات التجارية، وخروج الطلاب من المدارس، وإقناع العمال بعدم الخروج إلى العمل، وانطلقت عبر مكبّرات الصوت نداءات من المساجد للمشاركة في الإضراب. وكان هذا الإضراب هو الأول من نوعه، إذ امتد إلى جميع المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون العرب في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة)، وشمل إضرابًا عن العمل والتعليم وإغلاقًا للمحلات التجارية والمرافق الخدماتية. كما شاركت في الإضراب، بالتوازي، مدن فلسطينية في الضفة والقطاع، وشاركت به الحركة الأسيرة، حيث أعاد الأسرى وجبات الطعام التي قُدّمت لهم.

وتحرّكت في سخنين وعرّابة ودير حنّا سيارات شرطية وعسكرية محمّلة بمكبّرات صوت، داعية الأهالي إلى التزام بيوتهم وعدم الخروج منها، وكلّ من يفتح باب بيته أو نافذته يعرّض نفسه للخطر. وكان ذلك النداء بمثابة إعلان حظر تجوّل في البلدات الثلاث.

لكن حظر التجوّل لم يمنع الناس من التظاهر في الشوارع والساحات تعبيرًا عن غضبهم من سياسات الحكومة، والمطالبة بوقف خطة المصادرات وحفظ الحقوق التامة في الأرض والمسكن. إلا أنّ قوات الشرطة وحرس الحدود أطلقت النار على الأهالي العزّل، ونتيجة لذلك ارتقى ستة شهداء، وأُصيب 50 شخصًا بجروح وُصفت بعضُها بالخطيرة، واعتُقل نحو 300 شخص.


يوم وطني شامل

يُعدّ يوم الأرض محطّةً تاريخيّةً فارقة في مسيرة دفاع أصحاب الأرض عن أراضيهم، ويظلّ رمزًا نضاليًّا متجدّدًا في الذاكرة الفلسطينيّة، وقد بات يومًا كفاحيًّا تُرفع فيه جميع القضايا التي نواجهها ونناضل من أجلها. إذ كان يوم الإضراب العام الشامل، الأوّل بعد عام 1948، وحدثًا مفصليًّا في المسيرة النضاليّة لجماهير شعبنا في الداخل، كما شكّل ذروة الكفاح الذي تصاعد تدريجيًّا بعد النكبة. وكان لهذا اليوم المجيد أعظم الأثر في صياغة هويّتنا الوطنيّة كجزء لا يتجزّأ من الشعب العربي الفلسطيني.

ليس يوم الأرض مجرّد ذكرى تاريخيّة، بل يعكس واقعًا نضاليًّا مستمرًّا منذ نكبة شعبنا عام 1948، مرورًا بالمعركة ضد "الهويّات الحمراء"، وفضح مجزرة كفر قاسم وتخليد ذكراها، وبالمعارك ضد الحكم العسكري والقمع. وقد تواصلت المسيرة الكفاحية في هبّة أم السحالي، وهبّة الروحة، وهبّة القدس والأقصى، وهبّة الكرامة، وفي النضال دفاعًا عن أرضنا في النقب وضد مخطط "برافر"، وفي نضالات كثيرة ومتعدّدة لا تتوقّف ولن تتوقّف.

ولم تعد ذكراه السنوية تقتصر على المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، بل تحوّل إلى يوم وطنيّ شامل يحييه الفلسطينيون في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة والشتات، وذلك بقرار من المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ عام 1978، كما أصبح يومًا عربيًّا وعالميًّا للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وقد أُطلقت تسمية "مثلث يوم الأرض" على البلدات الثلاث (سخنين، عرّابة، ودير حنّا) التي كانت بؤرة ذلك اليوم.

اخبار ذات صلة