قصف بالفوسفور واستهداف للإسعاف.. شبح غزة يخيم على لبنان
لم تعد الحرب الإسرائيلية على لبنان تبدو جبهة منفصلة عن غزة، بل امتدادا لمنطقها نفسه: قصف للبنية المدنية، وتهجير واسع، واستهداف للمرافق الطبية، وتلويح باحتلال جديد يفتح الباب على دورة عنف أطول.
وتشير تقارير بريطانية إلى أن ما يجري في جنوب لبنان لا يكشف فقط سعيا إسرائيليا إلى إضعاف حزب الله، بل ينذر أيضا بانتقال أنماط الحرب التي طبعت غزة إلى الساحة اللبنانية، بكل ما حملته من تدمير وخلخلة للحياة المدنية وتوسيع للهامش الذي يُستباح فيه القانون الدولي باسم الأمن.
في هذا السياق، رأت افتتاحية لصحيفة غارديان البريطانية أن التركيز العالمي على حرب إيران حجب جانبا أساسيا من المشهد، والمتمثل في الحرب الإسرائيلية على لبنان، التي أسفرت -بحسب وزارة الصحة اللبنانية- عن مقتل نحو 1100 شخص، وأدت إلى نزوح خُمس السكان.
وتضيف الصحيفة أن إسرائيل، بعدما ردت على إطلاق حزب الله صواريخ على أراضيها بما وصفته بـ"ضربات دقيقة ومحددة"، سرعان ما وسعت هجومها، إلى أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إقامة منطقة عازلة أو ما سماه "حزاما دفاعيا" يمتد حتى نهر الليطاني، في خطوة عدّتها الصحيفة تمهيدا لاحتلال جديد سيكون غير قانوني بحد ذاته.
وترى الغارديان أن الخطاب الإسرائيلي ينزلق من منطق الردع إلى منطق السيطرة، مستشهدة بدعوات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى الضم، وبحديث كاتس عن تدمير المنازل الحدودية كما حدث في رفح وبيت حانون في غزة.
شبح غزة
وتقول الصحيفة إن المقارنة مع غزة لم تعد مجرد استعارة سياسية. فكما حدث في القطاع، أجبرت إسرائيل المدنيين في لبنان على النزوح جماعيا، واستهدفت الجسور وشبكات المياه والصرف الصحي، فيما اتهم عاملون ومسؤولون صحيون إسرائيل بضرب منشآت طبية.
وترى الافتتاحية أن إسرائيل تتعامل مع الحرب في لبنان بوصفها فرصة للقضاء على حزب الله، مستفيدة من عزلته المتزايدة وفقدان الدعم السوري وتراجع الدعم الإيراني له، لكنها تحذر من أن منطق الاحتلال قد يعيد إنتاج ما يدعي القضاء عليه، مذكّرة بأن حزب الله نفسه وُلد في سياق الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين 1982 و2000.
وتؤكد الصحيفة أن التغاضي الغربي عن جرائم إسرائيل في غزة شجع حكومة نتنياهو وحلفاءها اليمينيين على المضي بالمنطق نفسه في لبنان.
فوسفور أبيض
وفي تقرير آخر، سلطت غارديان الضوء على استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في جنوب لبنان. وقالت إن باحثي "هيومن رايتس ووتش" تحققوا من صور تُظهر انفجار ذخائر من الفوسفور الأبيض فوق مناطق سكنية في بلدة يحمر الجنوبية خلال الأيام الأولى من الهجوم.
وينقل التقرير عن الباحث اللبناني أحمد بيضون أنه وثق ما يقرب من 250 استخداما للفوسفور الأبيض من جانب القوات الإسرائيلية بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، موضحا أن 39% من هذه الاستخدامات كانت في مناطق سكنية، و17% في أراض زراعية، و44% في مناطق حرجية أو مفتوحة.
ويرى بيضون أن الجيش الإسرائيلي يستخدم هذه المادة لحرق الحقول وفتح مجال الرؤية، حتى لا يختبئ الناس أو المقاتلون تحت الأشجار، مختصرا الفكرة بقوله: "إنه في الغالب أداة لحرق الأرض".
ويضيف التقرير أن استخدام الفوسفور الأبيض أدى إلى إحراق أكثر من ألفيْ هكتار من ريف الجنوب اللبناني، بينها 873 هكتارا من الغابات الكثيفة، مع تحذيرات من أثر طويل الأمد على التربة والغطاء النباتي والإنتاج الزراعي.
إسعاف تحت النار
أما صحيفة تايمز، فاقتربت من الحرب من زاوية أخرى لا تقل قتامة في استهداف المسعفين. ففي تقرير من النبطية، وصفت الصحيفة جنازة مسعفَين قُتلا في غارة إسرائيلية بينما كانا، بحسب زملائهما، يقدمان مساعدات غذائية لسكان المدينة على دراجة نارية تحمل علامات الطوارئ.
ونقلت عن محمد سليمان، الذي يدير فريقا بلديا من 50 مسعفا، قوله إن إسرائيل "تتجاهل كل القواعد الدولية التي تحظر استهداف المسعفين"، مضيفا أن الجميع بات يشعر بأن هدفا قد وُضع على ظهره. وكان أحد القتيلين ابنه جود، البالغ من العمر 16 عاما، الذي كان يساعد الفريق في مهامه.
وتضيف الصحيفة أن الغارة رفعت عدد المسعفين الذين قتلوا في لبنان إلى 42 منذ بدء القصف الإسرائيلي للجنوب في الثاني من مارس/آذار، فيما تقول إسرائيل إن بعض سيارات الإسعاف استُخدمت لأغراض عسكرية، وهو ما ينفيه حزب الله.
