قائمة الموقع

تقرير أسبوعان من إغلاق «الأقصى»: تهويدٌ تحت ستار الحرب

2026-03-14T08:07:00+02:00
مقدسيون يؤدون الصلاة في أقرب نقطة الى المسجد الأقصى
وكالة القدس للأنباء - متابعة

مع الساعات الأولى للعدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 شباط الماضي، اقتحمت قوات الاحتلال المسجد الأقصى، قبيل صلاة الظهر، وطردت المصلّين بالقوة، قبل أن تعلن إغلاق أبواب المسجد، والذي يستكمل اليوم أسبوعه الثاني. وإذ تَكرّر الأمر نفسه في المسجد الإبراهيمي في الخليل، فقد برّرته سلطات الاحتلال بـ«حالة الطوارئ» المُعلنة بالتزامن مع الحرب، في حين اكتفت وزارة الخارجية الفلسطينية وعدد من العواصم العربية والإسلامية، الأربعاء الماضي (في اليوم الحادي عشر للإغلاق)، بإصدار بيانات إدانة حيال تلك الخطوة.

وتبدو هذه البيانات بمثابة تعويض عن حالة الضعف التي باتت تلازم موقف السلطة الفلسطينية والدول العربية والإسلامية؛ فخلافاً لاستعجال الأخيرة إدانة الاستهداف الإيراني لقواعد الولايات المتحدة ومصالحها في الخليج، وما رافق ذلك من انغماس في البحث عن إجراءات عملية للردّ على هذا الاستهداف، لا تُستتبع البيانات المتعلّقة بالمسجد الأقصى، على جري العادة، بأيّ خطوات عملية.

وفي تكرار لمواقفها السابقة، شدّدت الخارجية الفلسطينية، في بيانها المُندِّد بالإغلاق، على أنه «لا سيادة لإسرائيل على مدينة القدس المحتلة»، عادّةً الإجراء الأخير «اعتداء خطيراً على حقوق شعبنا وانتهاكاً للوضع التاريخي والقانوني القائم». وبالمثل، دان البيان العربي المشترك، الذي وقّعه وزراء خارجية الأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية وقطر ومصر، «استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إغلاق أبواب المسجد الأقصى أمام المصلّين المسلمين، ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك». كما جدّد الوزراء القول إن «دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدّسات الإسلامية الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري في إدارة شؤون المسجد الأقصى وتنظيم الدخول إليه".

وبصرف النظر عن الذريعة الإسرائيلية، فإن خطوة الإغلاق هذه تأتي استكمالاً لسياسة تكريس سيادة الاحتلال على المسجد، فيما يبدو أكيداً أن ما بعدها لن يكون كما قبلها؛ إذ يُتوقّع أن تفرض إسرائيل على إثرها إجراءات إضافية، من شأنها أن تعزّز التقسيم المكاني والزماني للمسجد، وتفتح الباب أمام مزيد من عمليات التهويد. وبعدما تمكّنت سلطات الاحتلال بالفعل من منع إقامة الصلاة في «الأقصى»، تجد نفسها اليوم أكثر حرية في تنفيذ ما تريد؛ فلا صوت يعلو فوق صوت قراراتها: لا رأي الخارجية الفلسطينية، ولا صمت الأوقاف الأردنية، ولا التظاهرات التي لم تُخرجها أصلاً أيّ حكومة في العالمين العربي والإسلامي.

وفي هذا السياق، يقول الباحث الفلسطيني في شؤون المسجد الأقصى، زياد ابحيص، إنه يمكن فهم الإغلاقات من زاويتَين: الأولى، تتعلّق بالمحاولة الإسرائيلية التاريخية للتحكّم بفتح المسجد وإغلاقه، علماً أن «محاولة انتزاع هذه الصلاحية من الأوقاف استغرقت ما يزيد على عقد كامل من الزمن». أمّا الثانية، فتتّصل بالمقدّمات التي سبقت الحرب، والتي تمثّلت في توسيع العدوان على المسجد خلال شهر رمضان؛ إذ يشير ابحيص إلى أن الاحتلال «استبق رمضان بحزمة إجراءات تعكس تبدّلاً في نظرته إلى هذا الشهر باعتباره فترة اختبار لمشاريع التصفية؛ فما يمكن فرضه من تهويد خلاله يفتح الباب على أضعافه بعده».

وبحسب ابحيص، فإن الاحتلال يخطّط لموجة عدوان جديدة بعد رمضان مباشرة، وتحديداً خلال عيد الفصح العبري الممتدّ بين 1 و8 نيسان 2026، وسيكون محورها محاولة فرض «القربان» داخل «الأقصى». ويعزّز هذه التقديراتِ ما جرى أمس من منعٍ لإقامة صلاة الجمعة في المسجد، وذلك للمرة الثانية خلال شهر رمضان، علماً أن الجمعة الأخيرة في الشهر كانت أمس. ولا يقتصر المنع على صلاة الجمعة، بل يشمل أيضاً التراويح وقيام الليل والاعتكاف في المسجد.

هكذا، يراهن الاحتلال على فرض أمر واقع جديد، مستغلاً استمرار الصمت الفلسطيني

الرسمي والشعبي، والغياب العربي والإسلامي، فيما قد يتحوّل كلّ ما يفرضه اليوم، مع مرور الوقت، إلى واقع جديد يصبح منطلقاً لأيّ نقاش لاحق حول المسجد وحقوق المسلمين فيه. وسبق للاحتلال أن نجح في تكريس وقائع مماثلة، ولا سيما في الحرم الإبراهيمي في الخليل، عقب المجزرة التي ارتكبها المتطرّف باروخ غولدشتاين في 25 شباط 1994 (15رمضان 1414)، والتي أسفرت عن استشهاد نحو 29 مصلياً أثناء صلاة الفجر، إذ أعقب ذلك تشكيل لجنة تحقيق عُرفت بـ«لجنة شمغار»، رسّخت واقعاً جديداً في الحرم، حيث خُصّص جزء كبير منه لليهود، ولم يبقَ للمسلمين سوى أقلّ من نصفه، فيما فُرضت قيود على دخول الفلسطينيين إليه خلال الأعياد والمناسبات اليهودية التي قد تصل إلى نحو 30 يوماً في السنة.

بالنتيجة، تمضي إسرائيل بحرية في إجراءاتها داخل القبلة الأولى وثالث الحرمين، فيما تبدو غالبية الأمة العربية والإسلامية غائبة عن الحدث (في الغالب لم تسمع بإغلاق هذا المكان المُقدّس في دينها!)، باستثناء بعض أبناء القدس الذين لا تمنعهم إجراءات الاحتلال من الوصول إلى أقرب نقطة من المسجد وإقامة الصلاة فيها تحدّياً للقيود الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن مئات المصلّين في مثل هذه المناطق، لن يكون بمقدورهم مواجهة التغوّل الإسرائيلي، على الرغم من الأهمية الرمزية لمبادرتهم، فيما بقية الناس يبدو أنهم اعتادوا على ما يحدث في «الأقصى»، وأصابهم الملل واليأس حياله، وهو ما يَظهر أن الاحتلال يراهن عليه لإقعادهم عن الفعل الذي قد يمنعه من القيام بما يريد.

من1967 إلى 2026: «الأقصى» تحت السوط الإسرائيلي

منذ احتلال الجزء الشرقي من القدس عام 1967، سيطر جيش الاحتلال على المسجد الأقصى، حيث تعرّض الأخير وقاصدوه لسلسلة من الاعتداءات والإجراءات التي استهدفت تغيير الواقع القائم فيه. ففي 9 حزيران 1967، منع جيش الاحتلال إقامة صلاة الجمعة في المسجد؛ وبعد أيام، في 15 حزيران من العام نفسه، أقام الحاخام الأكبر لجيش العدو، شلومو غورون، صلاة دينية يهودية في باحاته.

وتبع ذلك إطلاق جندي إسرائيلي النار على المصلّين داخل المسجد في 11 نيسان 1982. أمّا في 8 تشرين الأول 1990، فاستشهد 21 فلسطينياً وأصيب العشرات خلال تصدّيهم لمستوطنين أعلنوا نيتهم وضع الحجر الأساس لبناء «الهيكل الثالث» داخل «الأقصى». وفي 28 أيلول 2000، اقتحم رئيس حكومة الاحتلال وقتذاك، أرئيل شارون، الحرم القدسي، في ما أدّى إلى تفجير انتفاضة الأقصى وقتذاك.

وفي 1 نيسان 2003، قرّر العدو فتح المسجد أمام اقتحامات المستوطنين، في حين مُنعت صلاة الجمعة في 14 تموز 2017، وذلك عقب عملية إطلاق نار نفّذها ثلاثة شبان فلسطينيين ضدّ شرطة الاحتلال داخل المسجد، وأسفرت عن مقتل شرطيَّيْن إسرائيليَّيْن وإصابة ثالث.

والعام الماضي، مُنعت صلاة الجمعة أيضاً في 13 و20 حزيران خلال الحرب الإسرائيلية - الإيرانية التي استمرت 12 يوماً. كما تكرّر منع الصلاة في 6 و13 آذار 2026 خلال الحرب الحالية التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

اخبار ذات صلة