قائمة الموقع

ما حال غزة ولبنان في شهر الرحمة؟

2026-02-28T15:59:00+02:00
أسماء بزيع

في شهرٍ تتنزّل فيه الرحمات، وتُفتَح فيه أبواب السماء، ويُفترض أن تُغلَق فيه أبواب النار، يقف الشرق على حافة جرحٍ مفتوح لا يندمل. شهرٌ يُراد له أن يكون موسم صفاءٍ روحي، فإذا به يتحوّل في غزة ولبنان إلى موسمٍ آخر من الدم، والعدوان، واختبار الضمير الإنساني.

 هنا، حيث يُفترض أن يسود الصوم عن الأذى قبل الصوم عن الطعام، تُمعن آلة الحرب الإسرائيلية في إفطارها اليومي على أجساد الأطفال، وعلى سيادة الأوطان، وعلى ما تبقّى من أوهام النظام الدولي.

في غزة، لا يتبدّل المشهد إلا في عدد الشهداء. القصف ذاته، الحصار ذاته، الوجوه المرهقة ذاتها التي تودّ لو أن العالم يراها بعيونٍ لا ببيانات. العدوان ليس طارئًا، بل هو سياسة؛ ليس ردّ فعل، بل عقيدة أمنية تقوم على كسر الإرادة الجماعية لشعبٍ يرفض أن يُختزل في ملفّ إنساني.

القتل اليومي لم يعد خبرًا عاجلًا، بل صار روتينًا إعلاميًا. تُقصف الأحياء، تُستهدف البنى التحتية، يُمنع الدواء والغذاء، ثم يُعاد تدوير الخطاب ذاته: "حق الدفاع عن النفس". لكن أيّ دفاعٍ هذا الذي يتغذّى على حصار الملايين؟ وأيّ أمنٍ ذاك الذي يُبنى على أنقاض المستشفيات والمدارس؟

في شهر الرحمة، تتحوّل غزة إلى مرآة كاشفة: ليست فقط لبطش الاحتلال، بل لحدود الخطاب الدولي الذي يكتفي بالقلق، ويستبدل العدالة بعبارة "ضبط النفس"، كأن الضحية والمعتدي على مسافةٍ واحدة من المسؤولية.

أما لبنان، الذي أنهكته الأزمات الاقتصادية والسياسية، فيقف على تخوم النار، يتلقّى رسائل القصف المتقطّع، والاختراقات الجوية اليومية، وخرق السيادة الذي بات مألوفًا حدّ الابتذال. الطائرات الإسرائيلية لا تحتاج إلى إذن، والاعتداءات لا تنتظر ذريعة.

السيادة هنا ليست شعارًا دستوريًا فحسب، بل امتحانًا وجوديًا: هل يبقى الوطن وطنًا إذا صار مجاله الجوي مشرّعًا، وحدوده ساحة اختبار؟ وهل يمكن لدولةٍ مثقلةٍ بالانقسامات أن تواجه عدوًا يوحّد استراتيجيته بينما يختلف أبناؤها على تعريف الخطر؟

المفارقة أن بعض من يرفعون لواء "السيادة" في الداخل، يختزلونها في سلاحٍ دون آخر، أو في معادلةٍ داخليةٍ ضيّقة، بينما يتغافلون عن سيادةٍ تُنتهك صباح مساء من الخارج. سيادةٌ مقنّعة، تُدين الردع وتغضّ الطرف عن العدوان؛ تتشدّق بالقانون الدولي، لكنها لا ترى في الخروقات الإسرائيلية ما يستدعي إلّا بياناتٍ باردة.

العالم الذي يُتقن صناعة القرارات حين تتقاطع مصالحه، يبدو عاجزًا حين يتعلّق الأمر بفلسطين ولبنان. مجلس الأمن يتحوّل إلى مسرحٍ لتبادل الخطابات، تُجهَض فيه أي محاولةٍ لفرض مساءلة حقيقية. "الفيتو" ليس مجرّد أداة إجرائية، بل هو إعلانٌ صريح بأن دماءً بعينها أقلّ وزنًا في ميزان السياسة.

أما النظام العربي الرسمي، فبين صمتٍ ثقيل، وبياناتٍ إنشائية، ومسارات تطبيعٍ تُسوَّق بوصفها "واقعية سياسية"، تتآكل فكرة التضامن من الداخل. كيف يمكن الحديث عن سلامٍ إقليمي فيما تُقصف غزة، وتُستباح سيادة لبنان؟ أيّ تطبيعٍ هذا الذي يتجاوز جوهر الصراع ليكتفي بترتيباتٍ اقتصادية وأمنية، كأن الاحتلال تفصيلٌ قابل للتأجيل؟

الأخطر أن الخطاب المروّج للتطبيع يحاول إعادة تعريف البديهيات: يصبح الاحتلال "أمرًا واقعًا"، والمقاومة "مشكلة"، والعدوان "ردًّا"، فيما يُطالَب الضحية بإثبات أهليتها للحياة. إنها عملية قلبٍ للمفاهيم، تُدار بعناية، وتُغذّى بإعلامٍ وسياساتٍ تحاول إقناع الشعوب بأن الاستسلام هو ذروة الحكمة.

في المقابل، يراهن محور المقاومة على معادلة مختلفة: أن الردع لا يُبنى بالاستجداء، وأن السيادة لا تُحمى بالرهانات الدولية وحدها. هذه الرؤية، سواء اتُّفق معها أو اختلف، تنطلق من قراءة مفادها أن "إسرائيل" لا تفهم إلا لغة الكلفة؛ وأن أيّ تراجع في ميزان الردع يُترجم فورًا بمزيدٍ من الضغط والعدوان.

غير أن التحدّي لا يقتصر على البعد العسكري. فالمعركة اليوم مركّبة: إعلامية، قانونية، اقتصادية، ورمزية. غزة تحتاج إلى أكثر من تضامنٍ عاطفي، ولبنان يحتاج إلى أكثر من بيانات شجب. يحتاجان إلى مشروعٍ سياسي واضح، يُحسن إدارة الصراع، ويمنع تحويل الألم إلى ورقة مساومة.

في شهر الرحمة، يُعاد طرح السؤال الأخلاقي قبل السياسي: أيّ عالمٍ هذا الذي يعتاد صور الأطفال تحت الركام؟ وأيّ نظامٍ دولي يُجيز استمرار الحصار والقتل بلا محاسبة؟ ثم أيّ نخبٍ عربيةٍ تقبل أن يُعاد تعريف الكرامة الوطنية وفق شروط الاحتلال؟

غزة اليوم ليست فقط جغرافيا محاصرة، بل معيارًا لصدقية الشعارات العالمية. ولبنان ليس مجرد ساحةٍ على هامش الصراع، بل عقدة توازن في معادلة إقليمية حسّاسة. ما يجري فيهما ليس حدثًا عابرًا، بل فصلًا من صراعٍ على هوية المنطقة، وعلى معنى السيادة، وعلى حدود الممكن في مواجهة مشروعٍ توسّعي لا يخفي أطماعه.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستمر العالم في إدارة الصراع بدل حلّه؟ وهل يراهن العرب على الوقت فيما يتآكل ما تبقّى من فلسطين، وتُختبر حدود لبنان؟ أم أن لحظةً ما ستفرض إعادة صياغة المعادلات، بحيث لا يكون الدم العربي مادةً تفاوضية، ولا تكون السيادة شعارًا انتقائيًا؟

في شهر الرحمة، قد يبدو الحديث عن العدالة مثاليًا، لكن التاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تصبر طويلًا لا تنسى، وأن موازين القوى ليست قدرًا ثابتًا. وبين غزة ولبنان، يتشكّل وعيٌ جديد، يختبر قدرة المنطقة على إنتاج معادلة تحفظ الكرامة قبل الحدود.

فهل يكون هذا الشهر محطة انكسارٍ إضافية، أم بداية تحوّلٍ يعيد تعريف القوة والحق في آنٍ معًا؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن الدم الذي يسيل اليوم سيكتب غدًا فصولًا لا يمكن تجاوزها في سردية هذه المنطقة.

اخبار ذات صلة