قائمة الموقع

استراتيجية الجهل: الهدف من إنكار القتل الواسع في غزة الاستمرار فيه

2026-02-24T02:59:00+02:00
وكالة القدس للأنباء - متابعة

👈تشكل أرقام القتلى المدنيين موضع خلاف دائم في كل حرب معاصرة. ويتّسم هذا الخلاف بنقاشات منهجية تتعلق بطرق الإحصاء، لكن تكمن خلفه قضية سياسية واضحة: إن السيطرة على الأرقام هي أيضاً سيطرة على السردية التي تنتجها الحرب، وحرب غزة ليست استثناءً في هذا السياق

طوال الحرب، قدمت وزارة الصحة في غزة،  بيانات بشأن أعداد القتلى...  هذه البيانات اعتبرتها إسرائيل غير موثوق بها، بينما جرى التعامل معها في العالم على أنها موثوق بها، بل ادّعت أنها تمثل تقديراً أقل من الواقع، ومؤخراً، أقرّ الجيش بصدقيتها.

 إن الانشغال بالأرقام يكشف عن آليات الإنكار التي مكّنت إسرائيل من قتل ما لا يقل عن 70 ألف غزّي، هم في أغلبيتهم الساحقة، مدنيون محميون بموجب القانون الدولي. هذه الآليات لها دور حاسم في مواجهة الجمهور اليهودي الذي يعرّف نفسه أنه ضمن معسكر الوسط - اليسار. فدعمه الأعمى للحرب كان ضرورياً لإطالة أمدها بشكل مصطنع بوهم تدمير "حماس"، وتطلّب الحفاظ على هذا الوهم طمس الثمن الأخلاقي. وإلى جانب الدور الناشط لوسائل الإعلام في هذا الإخفاء، ساهمت إسرائيل الرسمية أيضاً في تشويش أعداد القتلى.

هذه هي الحرب الأولى في غزة التي امتنعت فيها إسرائيل من نشر بيانات. ومن المرجح أنه لو أرادت مؤسسات الدولة، لكان في وسعها جمع معلومات عن قتل المدنيين، أو على الأقل، التحقق من التقارير الواردة من غزة، أو دحضها؛ هذا ما يسميه البعض "استراتيجية الجهل": إذ إن التشكيك في موثوقية تقدير الأرقام حوّل الغموض إلى مكسب لمن أرادوا تبرير الحرب.

وهكذا انتقل النقاش من السؤال الأخلاقي إلى سؤال تقني عن عدد القتلى. فعلاً، أصبح كثيرون من الإسرائيليين خبراء في منهجيات الإحصاء، بهدف الطعن في بيانات "حماس"، وبذلك ساهموا في طمس الثمن الأخلاقي للحرب.

لو اعترفت إسرائيل بصدقية البيانات الغزية، على غرار ما فعلت مؤخراً، لكان ذلك ساهم في تعزيز الوعي، داخلياً وعالمياً، بثمن الحرب وزيادة الضغط لإنهائها. ولا يوجد ما يوضح نجاح الدولة داخلياً أكثر من أنه في الذكرى الثانية للحرب، وقبيل انتهائها، أظهرت استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن أغلبيةً واضحة من الجمهور تؤيد إنهاءها، لكن في أوساط اليهود، الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم يسار، لم يرَ سوى نحو 5% ضرورة إنهائها من أجل وقف المساس بالمدنيين.

هناك آلية إنكار مكملة هي التي سمّاها عالم الاجتماع ستانلي كوهين "الإنكار الضمني": ليس إنكار الحقائق، أو تفسيرها السائد، بل التنصل من مسؤوليتها الأخلاقية. وهكذا، حتى إن الإسرائيليين الذين يُنظر إليهم كمعتدلين، والذين لم ينكروا أرقام غزة (باستثناء الذين تفاخروا بأعداد القتلى)، برروا القتل بالقول إن إسرائيل أكثر أخلاقيةً مما كانت عليه الولايات المتحدة في العراق.

لا يوجد أي أساس واقعي لهذا الادعاء. وحتى لو قبلنا الرواية الإسرائيلية المبالَغ فيها، التي تفيد بمقتل نحو 23 ألف مقاتل (وهو رقم يردده معهد دراسات الأمن القومي)، فإن ما لا يقلّ عن ثلثي القتلى هم مدنيون، وذلك من أصل نحو 70 ألف قتيل تبلّغ عنهم حكومة غزة، وتقرّ إسرائيل بصدقية هذا الرقم. إنها نسبة أعلى مما سُجّل في العراق، حيث بلغت نسبة القتلى المدنيين المنسوبين مباشرةً إلى الولايات المتحدة وحلفائها نحو النصف.

إن اعتراف إسرائيل بصدقية الأرقام الغزية ربما يكون خطوة أولى في مسار تحمُّل المسؤولية عن أفعالها في القطاع.

-----------------

المصدر : هآرتس

بقلم : ياغيل ليفي

التاريخ: 23/2/2026

اخبار ذات صلة