وكالة القدس للأنباء – ترجمة
قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدت المملكة العربية السعودية على وشك الانضمام إلى ما يُسمى بتحالف "اتفاقيات أبراهام" وتطبيع العلاقات مع "إسرائيل". أما الآن، فيبدو أنها تُشكّل تحالفات جديدة، بل وتُقوّض المصالح "الإسرائيلية"، ساعيةً إلى اتباع أجندة تعاون إقليمي مختلفة. سيكون لمسار هذا التوجه أهمية بالغة في تحديد مستقبل المنطقة.
في سبتمبر/أيلول 2023، صرّح ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لقناة فوكس نيوز بأن التطبيع مع "إسرائيل" بات وشيكاً. جاء هذا التطور في الوقت الذي كان فيه الرئيس الأمريكي آنذاك، جو بايدن، يسعى للتوسط في مثل هذا الاتفاق، الذي بدا وكأنه الإنجاز الأبرز لإدارته في مجال السياسة الخارجية.
لكن عملية طوفان الأقصى، التي قادتها حماس، غيّرت المعادلة الإقليمية تماماً. فبدلاً من تطبيع العلاقات مع إسرائيل والسعي للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة للدخول في تحالف إقليمي ضد إيران، بدأت الرياض في دراسة خيار مختلف تماماً.
كان ضعف "إسرائيل" أمام هجوم حماس بمثابة رسالة موجهة إلى المنطقة بأسرها، مفادها أنه إذا كانت عاجزة حتى عن حماية أمنها الداخلي في مواجهة جيش عصابات مسلح بأسلحة خفيفة، فكيف يمكن لاتفاق مع تل أبيب أن يضمن أمن حلفائها؟ ومن بين العوامل الأخرى التي ساهمت في تطورات غزة، لجوء "إسرائيل" إلى ارتكاب إبادة جماعية بهدف استعادة صورتها في المنطقة، وفي محاولة يائسة لـ"حل قضية غزة".
من الواضح أن هذا السلوك، إلى جانب الهجمات على دول في أنحاء المنطقة، قد أدى إلى عرقلة محادثات التطبيع ودفع السعودية إلى إعادة تأكيد التزامها بمبادرة السلام العربية في العقد الأول من الألفية الثانية، أي بعبارة أخرى، لا تطبيع دون قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ثم جاء قصف "إسرائيل" لقطر المجاورة، رسالةً إلى جميع دول الخليج مفادها أن "إسرائيل" مستعدة للتحرك ضد أي من أراضيها. بل تردّد أن صواريخ "إسرائيلية" حلقت فوق المجال الجوي السعودي للوصول إلى هدفها.
ومنذ ذلك الحين، انشغلت السعودية بتأمين مصالحها، ووقعت اتفاقية أمنية مع باكستان في إطار هذا المسعى. ومن المرجح أن يكون الدافع الرئيسي وراء هذه الاتفاقية هو ضمان عدم تأثرها بشكل مباشر في حال نشوب حرب مستقبلية بين إيران و"إسرائيل". كما تعمل السعودية حاليًا على تعزيز علاقاتها مع إيران.
لكن الرياض لم تكتفِ بباكستان؛ إذ تُشير التقارير إلى أنها تُجري الآن محادثات رفيعة المستوى مع تركيا في محاولة لضمها إلى اتفاقيتها الأمنية، فيما يُوصف بأنه مشروع ناتو في الشرق الأوسط. رغم أنه من السابق لأوانه التنبؤ بنتائج هذه المحادثات ومآل مثل هذا الاتفاق، إلا أنه يكفي القول إن هناك تحولاً ديناميكياً يجري في غرب آسيا.
تصاعدت حدة الخلاف المستمر بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حين قررت الإمارات توجيه وكلائها في اليمن للسيطرة على مناطق رئيسية في شرق البلاد، حيث تقع 80% من احتياطيات النفط. وسيطر انفصاليو المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومون من الإمارات، على محافظتي المهرة وحضرموت، ما شكل خطراً أمنياً جسيماً على السعوديين والعُمانيين.
ورداً على تدخل الإمارات، قررت الرياض حسم الأمور في اليمن وسحق المجلس الانتقالي الجنوبي تماماً. لكن ردة الفعل ضد أبوظبي لم تقتصر على إنهاء دور ميليشياتها الوكيلة في اليمن؛ بل شملت حرباً إعلامية شرسة شنتها على الإمارات لكشف جرائمها في غرب آسيا وأفريقيا، فضلاً عن توجيه ضربة اقتصادية مُعدّة مسبقاً.
نتيجةً لذلك، توترت العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات والجزائر بسبب مزاعم دعم أبوظبي للحركات الانفصالية هناك، بل إن حكومة الصومال فسخت لاحقًا اتفاقياتها مع الإماراتيين، عقب تدخل الإمارات و"إسرائيل" في شؤونها، فيما يتعلق بالاعتراف بصوماليلاند كدولة.
وإذا ما شكّلت الرياض وأنقرة تحالفًا أمنيًا، فمن المرجح أن يضم قطر أيضًا. وسيكون من المثير للاهتمام حينها متابعة كيفية تنسيقهم جميعًا بشأن قضايا مثل ليبيا والسودان. فالإماراتيون لا يدعمون قوات الدعم السريع في السودان المتهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية واغتصاب جماعي، فحسب، بل دعموا أيضًا لفترة طويلة القائد العسكري خليفة حفتر في ليبيا.
وهذا يعني أيضًا أن دور الإمارات في سوريا قد يتضاءل أو ينعدم تمامًا، كما يمكن إجبارها على الانسحاب من مناطق نفوذ أخرى، كالعراق. ومن الواضح أن لكل من تركيا والسعودية نفوذًا في لبنان، لذا، وبحسب أهدافهما هناك، قد يُشكّل هذا تطورًا مهمًا للوضع اللبناني الحرج. وينطبق الأمر نفسه على مصر وغيرها.
من المهم التنويه إلى أن مثل هذا التحالف لا يعني تشكيل تحالف على غرار محور المقاومة ضد "الإسرائيليين". رغم أن الرياض قد ترى من المناسب تلقين جيرانها الإماراتيين درسًا، إلا أن احتمالية نشوب أي صراع جدي مع "الإسرائيليين" ضئيلة.
صحيح أن الإسرائيليين، بدعم من حلفائهم الإماراتيين، ينتهجون سياسة عدوانية للغاية في المنطقة، لا سيما ضد أنقرة. إلا أن هذا التنافس ليس بين دولتين متحاربتين تسعيان إلى هزيمة بعضهما البعض هزيمة ساحقة؛ بل يُنظر إليه، على الأقل في الوقت الراهن، على أنه تنافس. تحافظ تركيا على علاقاتها مع "إسرائيل"؛ أما السعوديون، من جانبهم، فلم يعترفوا رسميًا بتل أبيب، لكنهم على تواصل مستمر مع نظرائهم "الإسرائيليين" منذ فترة طويلة.
لا يُشكل تحالف من هذا النوع نظام دعم جديدًا لأي جبهة مقاومة في المنطقة؛ بل يسعى إلى تحقيق الأمن والتحرر من قبضة مشروع "إسرائيل الكبرى" الناشئ. في هذه المرحلة، بات من الواضح تماماً أنه لا توجد وعود بمستقبل مزدهر من خلال التحالف الكامل مع "الإسرائيليين"؛ بل ستسعى تل أبيب بقوة لتحقيق مصالحها ضد كل دولة في المنطقة، ولن تحترم أي اتفاقيات توقعها. تُجسّد التحركات الإماراتية الإسرائيلية الأخيرة هذا الأمر خير تجسيد.
في نهاية المطاف، يُمكن أن يُشكّل ظهور تحالف جديد في المنطقة تحديًا لبعض مساعي "إسرائيل" العدوانية، ما قد يُفيد الشعب الفلسطيني في بعض الجوانب.
قد يكون هذا مفيدًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي بدلًا من مواجهة عزلة تامة والسعي لمواجهة المخططات "الإسرائيلية" منفردة، قد تجد نفسها، في قضايا مختلفة، على وفاق مع التحالف الذي تقوده السعودية. وقد أشار بعض المحللين إلى أن طهران قد تنضم في نهاية المطاف إلى مثل هذا الاتفاق الأمني، مع أنه من السابق لأوانه الجزم بحدوث ذلك.
عمومًا، لا ينبغي أن نتوقع من الرياض تغييرًا جذريًا في سياستها الخارجية، ولا من أنقرة أيضًا؛ فهما حليفتان للولايات المتحدة وتربطهما علاقات وثيقة بواشنطن. السؤال الحقيقي هو ما إن كانت الولايات المتحدة مستعدة للتصدي لمثل هذا التحالف من أجل "إسرائيل"؟ هنا ستبدأ الأمور الشيقة.
-----------------
العنوان الأصلي: Is a New Saudi-Led Axis Forming against the UAE & Israel? – Analysis
الكاتب: Robert Inlakesh*
المصدر: The Palestine Chronicle
التاريخ: 13 كانون الثاني / يناير 2026
* روبرت إنلاكش صحفي وكاتب ومخرج أفلام وثائقية. يركز على شؤون الشرق الأوسط، ومتخصص في فلسطين. وقد ساهم بهذه المقالة في صحيفة "ذا فلسطين كرونيكل".
