وكالة القدس للأنباء - متابعة
إن بلدة الترابين لا تقع في غزة، ولا في الضفة الغربية، ولا في القدس الشرقية، وسكانها مواطنون في "إسرائيل"، خضعوا لاحتلال من طرف شرطة "إسرائيل" في عملية "مثيرة" قادها مجرم تمت إدانته بتهمة دعم منظمة إرهابية والتحريض على العنصرية. هذا الرجل، إيتمار بن غفير، الذي يتعين على محكمة العدل العليا البتّ فيما إذا كان يمكنه الاستمرار أصلاً في شَغل منصب وزير الأمن القومي، على خلفية ادّعاء المستشارة القانونية للحكومة أنه يتدخل في عمل الشرطة، إلى حدّ أنه "لا مفرّ من الاستنتاج أنه لا يمكن حماية الجمهور من السلوك المنهجي الذي يمسّ باستقلالية الشرطة." هذا الرجل يشكل اليوم التهديد الحقيقي لسلامة وأمن مواطني إسرائيل.
الأوصاف مرعبة؛ "طفلة صغيرة كانت تقف في فناء بيت جيرانها، ومن دون أيّ إنذار مسبق، داهم العشرات من أفراد الشرطة المكان، يتقدمهم المفتش العام، حاصروا البيت وأغلقوا ساحته، وبقيت الطفلة محتجزة. لم يُسمح لأحد بالخروج، ووقف أمامها مقاتل، شاهراً سلاحه. وعلى مسافة قصيرة، وقفت أمها وعمّاتها، يصرخن باسمها ويرتجفن، خوفاً على مصيرها." ويقول شاب بدوي خضع لتحقيقٍ دام نحو ثلاث ساعات على يد عنصر من جهاز الشاباك: "شعرت بأن منظمة إجرامية تتحدث معي. قالوا لي: أنتم لستم أقوى من الدولة."
إنه عرضٌ مرعب، هدفه الترهيب. من المهم التذكير بأنه يعيش في الترابين أيضاً مجرمون وعصابات تمتلك السلاح، وألحقت الأذى ببلدات الجوار، وأضرمت النار في سيارات، بحسب الشبهات، وسيطرت على محاور طرق، لكن عصابات الإجرام تنشط أيضاً في نتانيا، وهرتسليا، وتل أبيب والخضيرة، وهناك لم تُغلَق الشوارع، ولم يقف الأطفال في مواجهة مسدس شرطي، لأن هناك محيطاً كاملاً يفصل بين عمل شرطة منظّم ومنهجي، قائم على الاستخبارات والاعتقالات الموجهة وتقديم الجناة إلى القضاء، وبين كرنفال فوضوي، استعراضي، يهاجم مجتمعاً بأكمله.
فالأمر لا يتعلق بعملية مكافحة الجريمة، بل باستعراض زائف لمنظومةِ دولاتية عنيفة تختبر حدود توحُّشها؛ إنها منظومة لا تبالي بمقتل المئات من المواطنين العرب، ولا تستطيع، أو لا تريد منع الاعتداءات المروعة التي ينفّذها مستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتحتفل باعتقال نساء وضعن منشورات في كنيس، وتسعى للتحقيق مع عضو الكنيست أحمد الطيبي لأنه أساء إلى المتحدث باسم الشرطة، لكنها تقف كتمثالٍ أبكم أمام استخفاف عضو الكنيست تالي غوتليب باستدعائها للتحقيق.
وهذه ليست سوى الأعراض؛ فبحسب استطلاعٍ نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في تشرين الثاني/نوفمبر، لدى 47% من الجمهور "ثقة ضئيلة" بالشرطة، و20% لا يثقون بها إطلاقاً، وفقط نحو ثلث الجمهور يمنحها ثقة عالية (وفي أوساط الجمهور العربي، ليس مفاجئاً أنه فقط 19% لديهم ثقة بالشرطة)، وربما الأهم هي المعطيات التي تشير إلى أن 6% فقط من المستطلَعين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم من معسكر اليسار يثقون بالشرطة، بينما تبلغ النسبة في معسكر الوسط 27%، أمّا الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم يمينيون، فهناك 43% منهم تقريباً يمنحون الشرطة الثقة، وهذه أيضاً أرقام لا يمكن تجاهُلها.
فالهجوم على الترابين - في عملية وُصفت في الالتماس الذي قدّمه ضدها "مجلس القسوم الإقليمي" بأنها حملة علاقات عامة تعاقب سكان البلدة بشكل غير متناسب، والتي قُتل خلالها محمد حسين الترابين - ليس سوى "التجربة الأولية". إنه نموذج فوضوي لاستعراض قوةِ بلطجي، وهو يحظى بدرجة من الشرعية المشوهة، لأن الجريمة التي يرتكبها عرب ضد يهود تُعرّف، في الأغلب، بأنها "إرهاب قومي"، وليس العكس مطلقاً.
الآن، يمكن التوقُّع أن يكون لهذا "النجاح التجريبي" استمرارية في بلدات عربية أُخرى، وفي مدن مختلطة، وانطلاقاً منها، الطريق قصيرة إلى "حارس الأسوار 2". يُنظر بشكل خاطئ إلى تدخُّل بن غفير غير القانوني في عمل الشرطة على أنه طمس إجرائي للحدود، وهو مساس بأسس الديمقراطية في الحالة الخطِرة، حسبما تدّعي المستشارة القانونية للحكومة. لكن الحقيقة أخطر كثيراً: بن غفير لا يسعى لتعزيز الحوكمة، بل يعمل ويخطط لإشعال حرب أهلية.
-----------------
المصدر : هآرتس
بقلم : تسفي برئيل
التاريخ: 8/1/2026
