بات ملف القوة الدولية التي من المقرر أن تنتشر في قطاع غزة، يمثل “قنبلة موقوتة” تهدد بتفجير اتفاق وقف إطلاق النار، وعودة الحرب إلى ويلاتها وقسوتها على الفلسطينيين، بعد خروج عقبات تعطل تنفيذ البند المخصص لأكثر الملفات حساسية وغموضًا.
ورغم مرور أكثر من 23 يومًا على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن "إسرائيل" لا تزال تطلق تحذيراتها وتهديداتها بشأن عودة الحرب على وثيرة أشد قسوة وضراوة وتدمير ما تبقى من منازل وحياة داخل غزة، في ظل تحركات من قبل الوسطاء لإنقاذ الاتفاق ومنع انهيار التهدئة التي لا تزال هشة وتتعرض لخروقات "إسرائيلية" متكررة.
السر في خطورة هذا الملف يكمن في الشروط “الصارمة” التي تضعها "إسرائيل" على الأفراد المشاركين بتلك القوة الدولية، مع رفض قاطع لأي دور تركي فيها، وهو الامر الذي عقد مفاوضات تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، وفق المبادرة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
قناة “كان” العبرية، كشفت أن أمريكا تسعى إلى تسريع خطوات تشكيل قوة متعددة الجنسيات في قطاع غزة، بهدف تثبيت الاستقرار بعد جولات التصعيد الأخيرة، إلا أن هذه الخطوة تثير احتكاكات دبلوماسية وأمنية مع الحكومة "الإسرائيلية" التي تُبدي تحفظات واسعة على المشروع.
وبحسب القناة، فإن "إسرائيل" تعارض بشدة وجود قوات تركية مسلّحة داخل القطاع، كما ترفض تشكيل القوة بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على غرار قوات اليونيفيل في لبنان والأندوف في الجولان السوري المحتل، خشية أن يؤدي ذلك إلى فرض ترتيبات دولية تُقيّد حركتها العسكرية مستقبلاً في غزة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تسعى فيه واشنطن إلى توسيع المشاركة الدولية في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، بينما تتمسك “تل أبيب” بضرورة الحفاظ على حرية عملها العسكري والأمني وعدم خضوع القطاع لأي وصاية دولية جديدة.
ورفضت عدة دول، معظمها عربية، الطلب الأمريكي التعاون، خوفًا من مواجهة عسكرية مع حركة “حماس.”
فيما كشفت مصادر دبلوماسية، أن القوة الدولية التي ستتمركز في قطاع غزة، ستتألف من دول عربية وإسلامية فقط، دون جنود غربيين، وأكد دبلوماسي غربي لصحيفة “يديعوت احرنوت” إنشاء قوة الأمن الداخلي أن هذه الجهود تُدار حاليًا من قِبل الأمريكيين، وهي “معقدة من الناحيتين السياسية والفنية.
وبحسب الخطة، سيكون مقر قيادة القوة في مركز التنسيق الأمريكي بكريات غات، حيث ستشارك الدول المساهمة بقواتها عبر ممثلين عسكريين. وسيتولى المقر تنسيق دخول المساعدات وإعادة الإعمار، مع التركيز على هدف رئيسي هو نزع سلاح قطاع غزة.
وقال الدبلوماسي: “يمكنكم تخيل ضباط إندونيسيين يتجولون في كريات غات”.
ويدور النقاش الرئيسي حول التفويض والدعم الدولي: فمعظم الدول تشترط قرارًا من مجلس الأمن قبل إرسال القوات، وهناك جدل حول ما إذا كان القرار سيستند إلى الفصل السادس أم السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وأوضح الدبلوماسي الغربي: “سيكون الفصل السابع مثاليًا إذا تمكنوا من التوصل إلى اتفاق بشأنه، لكن إسرائيل قلقة بشأن تطبيق الفصل السابع”، مضيفًا أن القرار يمكن أن يكون “قرارًا بسيطًا ومختصرًا وموجزًا” يسمح بالانتشار السريع، أو قرارًا مفصلًا يوضح المهام والمسؤوليات.
وحسب قوله، “بدون قرار من مجلس الأمن، لن ترسل دول كثيرة قوات. يجب أن يكون هناك قرار يطبق عدة مواد من ميثاق الأمم المتحدة”.
ويُعزى النزاع الدولي إلى مخاوف جيوسياسية، أبرزها سلوك روسيا المتوقع وانتقادات الصين المحتملة، التي قد تُحاول تأخير القرار أو نسفه.
وتسعى الخطة لجعل القوة الإقليمية أكثر قبولًا لدى الفلسطينيين باعتبارها أقل شبهًا بقوة احتلال، مع إبقاء الدور الغربي محدودًا في الدعم اللوجستي والاستخباراتي والقيادي، دون وجود جنود غربيين داخل غزة بشكل يومي.
وتُشكّل مسائل التفويض وقواعد الاشتباك محورَ النقاشات، وسيتمّ مناقشتها بالتنسيق مع القيادة العامة، والحكومة الإسرائيلية، وإذا لزم الأمر، حماس، التي وافقت، وفقًا للدبلوماسي، على النقاط الرئيسية للخطة كجزء من خطة ترامب.
ويتمثّل التحدي في تحقيق التوازن بين حقّ القوة في الدفاع عن نفسها وعن المدنيين، وبين آليات الرقابة والتفويض التي من شأنها منع الكوارث التي وقعت في الماضي، على سبيل المثال في البوسنة خلال حرب يوغوسلافيا.
ولن تكون هذه قوةً نموذجيةً تابعةً للأمم المتحدة، بل قوةً إقليميةً لحفظ السلام بتفويضٍ من الأمم المتحدة. ستكون مسلحةً، ولن يرتدي أفرادها خوذاتٍ زرقاء، كما أوضح الدبلوماسي.
وأضاف: “يجب أن يحصلوا على تفويضٍ قويٍّ لاستخدام قوتهم ضد أي عنصرٍ مسلحٍ يُهددهم، سواءً كانوا مدنيين فلسطينيين أو إسرائيل”.
كما وكشفت هيئة البث الإسرائيلية “كان”، مساء السبت، أن إسرائيل تواصل معارضتها الشديدة لنشر أي قوات أمن تركية في قطاع غزة، مؤكدة أن تل أبيب فرضت فيتو قاطعاً على هذا الاقتراح، ونقلت “كان” عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى قولهم إن ترامب لا يزال يصر على منح تركيا دوراً في إدارة القطاع خلال “اليوم التالي” للحرب، مما دفع إدارته إلى دراسة بديلين رئيسيين: الأول نشر قوة تركية غير مسلحة تماماً، والثاني دمج الأتراك في جهود إعادة إعمار القطاع فقط دون أي صلاحيات أمنية.
وكان موقع “أكسيوس” الأمريكي قد أفاد الخميس الماضي بأن مسؤولين في إدارة ترامب يجرون محادثات مكثفة مع عدة دول لتشكيل قوة دولية تنتشر في غزة، مشيراً إلى أن قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الأمريكي (سنتكوم) تعد خطة شاملة سيتم الكشف عنها خلال الأسابيع المقبلة، وستشمل وحدات شرطة فلسطينية محلية إلى جانب القوة الدولية.
من جانبه، رفض العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) إرسال قوات أردنية إلى غزة، قائلاً: “الإجابة القصيرة هي لا، لأننا قريبون جداً من الموضوع سياسياً”.
لكنه أضاف أن الأمر يعتمد على التفويض الممنوح للقوة، مشيراً إلى أن “حفظ السلام” قد يكون مقبولاً، بينما “فرض السلام” بالقوة سيرفضه أي بلد عربي.
يأتي هذا التطور وسط استمرار الجهود الدولية لرسم ملامح الإدارة الأمنية والمدنية في غزة بعد الحرب، في ظل رفض إسرائيلي مطلق لأي دور عسكري أو أمني تركي، وإصرار أمريكي على إشراك أنقرة بصيغة ما لضمان دعم إقليمي واسع لأي ترتيب مستقبلي.
وأمام هذا الجدل الحاصل.. ما هو دور القوة الدولية في غزة؟ وهل يصب في صالح الفلسطينيين والمقاومة؟ وما هو السيناريو الأخطر المقبل على غزة؟