وكالة القدس للأنباء - خاص
منذ انطلاقتها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شكّلت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مشروعًا مقاومًا عابرًا للحدود، لم تحصر كفاحها داخل الأرض المحتلة، بل جعلت من كل ساحة عربية وإسلامية امتدادًا للجبهة الفلسطينية. واليوم، بعد مرور أكثر من عقود، تثبت الحركة حضورها في معركة الإسناد على الجبهة الجنوبية اللبنانية، لتؤكد وحدة الميدان والساحات ووحدة الدم بين لبنان وفلسطين.
معركة الإسناد... الجنوب اللبناني يتحول إلى ساحة فلسطين
منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى في غزة، تحوّل الجنوب اللبناني إلى جبهة إسناد حقيقية للمقاومة الفلسطينية. شارك مجاهدو حركة الجهاد الإسلامي إلى جانب فصائل المقاومة اللبنانية في التصدي للعدوان الإسرائيلي، واضعين أرواحهم على الأكفّ دفاعًا عن لبنان وفلسطين معًا.
في هذه المعركة، لم يكن الجنوب مجرد حدود، بل امتدادًا لفلسطين؛ ساحة واحدة يتعانق فيها الدم اللبناني والفلسطيني على أرض واحدة، عنوانها المقاومة والصمود.
تضحيات من المخيمات... رجال كتبوا أسماءهم بدمائهم
قدّم أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان نموذجًا مهيبًا في التضحية والوفاء. فكما احتضنت المخيمات حلم العودة طوال عقود، ها هي اليوم تقدّم أبناءها شهداء على طريق التحرير والعودة، نصرةً للقدس وغزة، ودفاعًا عن أرض لبنان.
من مخيم عين الحلوة
من قلب الجنوب الفلسطيني الصغير في صيدا، خرج رياض محمد قبلاوي (أبو يزن) ورفاقه عبد الله محمد الزير (أبو محمد) وعمر كامل غوطاني (علاء) وإلياس رائف الحوراني وعبد العزيز أحمد السهلي، مجاهدين حملوا البندقية بعقيدة ووعي، واستشهدوا في مواقع الشرف دفاعًا عن فلسطين ولبنان.
كانت كلماتهم الأخيرة وصايا للأجيال القادمة: أن تبقى المخيمات منارات للكرامة، لا مواضع بؤس، وأن تبقى البندقية عنوان الانتماء.
من مخيم الرشيدية
وفي مخيم الرشيدية القريب من صور، وأقربها الى فلسطين المحتلة، امتزجت رائحة البحر بعبق الدم الطاهر لشهداء الجهاد الذين ارتقوا في مواجهة العدوان. فقد قدّم المخيم كوكبة من أبنائه:
ربيع علي سعيد، أحمد قاسم عامر (أبو محمد)، علي يوسف الكي (أبو جلال)، ريان علي الكي (أبو زياد)، ومحمود حسين عرعور (أبو حمزة).
هؤلاء الرجال كتبوا بدمائهم قصة إيمانٍ لا تنكسر، وأكدوا أن طريق العودة إلى فلسطين يمر من كل أرضٍ تواجه العدوان.
من مخيم نهر البارد
أما مخيم نهر البارد في شمال لبنان، الذي عانى ويلات التدمير والتهجير، فقد عاد ليقدّم الشهداء من جديد في ميدان الكرامة. ارتقى المجاهد رواد شوقي كريم أثناء قيامه بواجبه الجهادي على الحدود الجنوبية، ولحق به محمد عبد العزيز الرنتيسي (أبو علي)، اللذان جسّدا وحدة القضية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
رسالة الشهداء: فلسطين في القلب، ولبنان في الميدان
دماء هؤلاء الشهداء ليست تفصيلًا عابرًا في مسار الصراع، بل رسالة واضحة بأن المخيمات الفلسطينية ما زالت حيَّة، وأن أبناءها لم ينسوا بوصلتهم. فقد فهموا أن الدفاع عن لبنان هو دفاع عن فلسطين، وأن معركة الإسناد ليست سوى فصل جديد من فصول الجهاد المستمر منذ النكبة.
من الجنوب إلى الشمال، ومن الرشيدية إلى نهر البارد، تمتد خيوط المقاومة لتربط
بين المخيمات الفلسطينية والقرى اللبنانية في جبهة واحدة. إنها جبهة الكرامة والدم الواحد، التي لا تعرف الحدود ولا تعترف بالتقسيمات.
في ذكرى كل انطلاقة، تتجدّد العهود بأن تضحيات الشهداء لن تذهب سدى، وأن راية الجهاد ستبقى مرفوعة حتى التحرير والعودة. فهؤلاء الذين خرجوا من أزقّة المخيمات، وارتقوا على تراب الجنوب اللبناني، تركوا لنا وصيّة لا تموت:
“فلسطين هي البوصلة، والمقاومة هي الطريق.”
