في أعقاب الضربات الصاروخية الإيرانية المكثّفة التي تعرّضت لها إسرائيل نهاية الأسبوع، بدأت تتكشّف أبعاد الدمار الذي خلّفته هذه الهجمات، ولا سيما في مناطق وسط الكيان والشمال، إذ أعلن رئيس بلدية بات يام، المدينة المحاذية لتل أبيب، أن 22 مبنىً سكنياً سيتم هدمها بالكامل بسبب الأضرار الهيكلية الجسيمة التي لحقت بها جراء سقوط أحد الصواريخ الإيرانية. كما كشفت صور البحث والإنقاذ في المدينة عن دمار شبه كامل لواجهة أحد المباني السكنية، وتضرر بالغ في مبانٍ عدة أخرى، في مشهد وُصف بأنه لا يختلف كثيراً عن صور الدمار في غزة ولبنان.
وفي هذا الإطار، تحدّث الصحافي أليكس ريف عن حجم الدمار الذي طاول «معهد وايزمان العلمي» في رحوفوت، وهو مؤسسة مدنية تُعرف بمساهماتها في الأبحاث العسكرية. ووفق ريف، فإن الضربة دمّرت مختبرات بكاملها، بما في ذلك معدات وتجهيزات علمية وشخصية ونتائج أبحاث مهمة. وبينما زار رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وعدد من الوزراء موقع الضربة في بات يام مطلقين تهديداتهم من هناك، لم تُسجَّل – بحسب ريف - أي زيارة لمسؤولين من وزارة التعليم أو وزارة العلوم، «رغم الدمار الذي طاول إحدى أهم البنى العلمية في البلاد».
وفي الموازاة، تحدّثت تقارير إسرائيلية عن محاولة إيرانية لاستهداف محطة الكهرباء في الخضيرة، وكذلك المسكن الخاص لنتنياهو في قيسارية. كما أصابت الصواريخ محطة تكرير النفط في ميناء حيفا، وألحقت بها أضراراً كبيرة. ووفق جيش الاحتلال، أطلقت إيران أكثر من 200 صاروخ منذ مساء الجمعة، ما أسفر عن مقتل عدد من المستوطنين وسقوط مئات الجرحى، بينهم جنود. وأشارت صحيفة «تيليغراف» البريطانية إلى أن 10% من هذه الصواريخ استطاعت اختراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية - وبينها «القبة الحديدية» و«مقلاع داوود» -، بفعل كثافتها وتزامن إطلاقها.
ووصفت الصحيفة تلك الاختراقات بـ«الفشل النسبي» الذي أفسح المجال أمام صواريخ بعيدة المدى لضرب أهداف في عمق إسرائيل. وأضافت أن إيران استخدمت تكتيك «الإغراق الكثيف» لتشتيت المنظومة الدفاعية، وإيجاد ثغرات تمرّ منها الصواريخ الأشد فتكاً. في المقابل، أفاد الصحافي إيتاي بلومنتال، عبر قناة «كان»، بأن «طائرات أميركية محمّلة بذخائر ثقيلة، بينها قنابل خارقة للتحصينات، واصلت الهبوط في إسرائيل خلال اليومين الماضيين»، على الرغم من إغلاق الأجواء. وأوضح أن «هذه الذخائر تُستخدم في الهجمات الإسرائيلية المتواصلة داخل إيران». كما يشمل الدعم الأميركي تزويد إسرائيل بأنظمة دفاعية مثل «ثاد»، وإمدادها المستمر بالذخيرة.
ذلك أن «أحد أهداف الحرب هو الحفاظ على قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على تنفيذ ضربات داخل إيران حتى بعد نهاية العمليات الحالية»، بحسب ما أشارت إليه مراسلة قناة «كان»، يعرا شابيرا.
وعلى الرغم من الحرص على ذلك التفوق، ووفقاً للقناة ذاتها، فإن «آلاف الجنود الإسرائيليين يقيمون في قواعد تدريب بلا تحصينات، حيث يتلقّون أوامر بالارتماء أرضاً فقط عند سماع صفارات الإنذار»، في حين أفاد جنود من وحدة «جولاني» بأنهم «متروكون لمصيرهم»، وأن الخوذ هي وسيلتهم الوحيدة للحماية، مذكّرين بحادثة مقتل أربعة جنود سابقاً بواسطة مُسيّرة أطلقها «حزب الله». ودفع هذا الواقع بعشرات من أهالي الجنود إلى توجيه رسالة عاجلة إلى وزير الحرب ورئيس الأركان، شدّدوا فيها على ضرورة التحرك العاجل، ولا سيما بعد إصابة سبعة جنود بصاروخ إيراني أخيراً.
وفي السياق نفسه، أظهرت إحصاءات أن 56% من الإسرائيليين يعيشون من دون غرف محصّنة، ما يزيد من ضعف الجبهة الداخلية ويجعلها أكثر عرضة لتبعات أي تصعيد طويل الأمد. لكنّ مسؤولاً أمنياً إسرائيلياً رفيعاً قلّل من أهمية التقديرات التي عُرضت أمام مجلس الوزراء، والتي تحدّثت عن «احتمال مقتل ما بين 800 و4000 إسرائيلي في حال شنّت إيران هجوماً مضاداً شاملاً». واعتبر أن هذه الأرقام «مبالغ فيها ولا تستند إلى تقييمات مهنية حقيقية»، مرجّحاً أن «الهدف منها هو تمهيد الرأي العام لقبول أعداد ضحايا أقل لاحقاً على أنها نجاح نسبي».
أما الخبير العسكري، يوسي ميلمان، فأبدى تشكّكه في دوافع الحرب أصلاً، محذّراً من أن «الإيرانيين مستعدون لتحمّل المعاناة، كما أثبتوا خلال الحرب مع العراق». واعتبر أن «استمرار المعركة سيؤدي في النهاية إلى تسوّل الإسرائيليين وقف إطلاق النار، بينما إيران سترفض». وعلى صعيد التقديرات المستقبلية، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن خبراء أن «إيران لم تستخدم بعد أكثر صواريخها تدميراً، وبينها صواريخ باليستية تحمل رؤوساً حربية تزيد عن الطن، وصواريخ كروز يصعب رصدها واعتراضها».
وتشير التقديرات إلى أن طهران قد تدّخر هذه الأسلحة لـ»جولة لاحقة من التصعيد أو لتوجيه ضربة ختامية». وإزاء ذلك، يعوّل الإسرائيليون على تدخل أميركي مباشر عبر القاذفات الاستراتيجية B-2 وB-52، المزوّدة بقنابل ثقيلة لا تملكها إسرائيل.
من ناحيتها، أكّدت وكالة «فارس» الإيرانية أن إيران لم تستخدم بعد صواريخها الاستراتيجية، مثل «فتاح 2» و«سجّيل» و«خرمشهر»، التي يبلغ وزن الرأس الحربي لكل منها طنين.