وكالة القدس للأنباء - متابعة
وسط تضييقات أمنية متصاعدة ضد النشاطات الوطنية لإحياء ذكرى النكبة في الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، أحيى أهالي قرية الدامون المهجّرة مساء أمس، الأربعاء، أمسية "ليلة العودة إلى الدامون"، في ساحة العين، بمشاركة عدد من النشطاء السياسيين، في تقليد سنوي متواصل منذ أكثر من عقد، لتأكيد الحق بالعودة وتثبيت الرواية الفلسطينية في وجه محاولات الطمس.
وتضمنت الأمسية فقرات ثقافية وفنية متنوعة عبّرت عن روح الانتماء والذاكرة الجمعية، واستُهل البرنامج بعرض مقتطف من فيلم "الدامون: حرب الذاكرة"، من إنتاج الشاعرة دارين طاطور. تلا ذلك إلقاء قصيدة للطفل جواد عياشي، ثم سرد قصة أدبية بعنوان "تكريم بعد الإنهاء" قدمتها الفنانة دعاء ذياب. كما ألقت الشاعرة عاتكة عياشي، ابنة الدامون، قصيدة احتفاءً بإصدارها الأدبي الجديد، ونالت تكريمًا خاصًا.
وقدّمت الفنانة صبا بدران من جت المثلث وصلات غنائية تراثية، تبعتها الشابة غزل أبو الهيجاء بقصيدة شعرية، فيما اختتم الشاب قاسم عياشي الفقرة الفنية بعزف على آلة العود. كما شهدت الأمسية فقرة تكريمية مؤثرة، كرّم خلالها الحاج محمد أسعد مرشد (أبو كمال) لدوره في توثيق الرواية الشفوية للدامون، والفنانة دعاء صمد عواد لمسيرتها الفنية، والأستاذ راجح عياشي تقديرًا لعطائه التربوي ومساهمته في لجان الإصلاح المجتمعي.
كما أقيمت فعاليات مرافقة على أرض القرية، منها معرض للفنانة عواد، وبازار للأعمال اليدوية، ومعرض كتب نظمته عبير مجدوب، إلى جانب عرض لصور ورسومات من مشروع "قصة الأطفال"، من ضمنها رسومات من قصة "الدامون عروس البلاد" بإشراف مركز الطفولة.
النكبة المستمرة: شهادات حيّة من ذاكرة الجرح
في كلمته خلال الافتتاح، أعرب رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية، محمد بركة، عن قلقه من "التبلّد" في التعاطي مع أعداد الشهداء المتزايدة في غزة، محذرًا من أن الاعتياد على المجازر خطر وجودي، قائلاً: "صرنا نسمع عن 45 شهيدًا وكأنهم مجرد أرقام". وشدّد على أن النضال من أجل العودة حق طبيعي، وأن العلم الفلسطيني "وإن نُزِع من السارية، لن يُنتزع من القلوب".
وقال جمال مرشد، عضو لجنة أهالي الدامون، لـ"عرب 48"، إن الأمسية ليست ترفيهية بل لقاء عائلي يحيي الذاكرة على عين الدامون، وأضاف: "نظّمنا معرض كتب، وبازارات تراثية، وعروضًا فنية، إلى جانب عرض الفيلم الوثائقي".
وأشار المحامي نضال عثمان إلى التحديات القانونية والأمنية، قائلاً إن الشرطة سعت للتضييق ومنع رفع الأعلام، لكن الفعالية ركّزت على ربط الناس بقريتهم. ولفت إلى الحزن الذي خيّم على الأمسية هذا العام بسبب رحيل بعض شهود النكبة، من بينهم الناشط سمير عثمان والسيد بوشكار. وشدد على أن "الأجيال الصاعدة ستواصل التمسك بالأرض والانتماء".
من ذاكرة القرية إلى حلم العودة
وروى الحاج محمد مرشد، الذي هجّر من الدامون وهو في الثامنة من عمره، تفاصيل مؤلمة من أحداث الهجوم على قريته: "بنت عمي قُتلت أمامي، وكان الحائط وحده يفصل بيني وبين القنبلة". وأضاف "رغم كل شيء، نؤمن أننا سنعود". وجلس أبو كمال على أطلال العين متأملًا ذكريات الطفولة حيث كانت عائلته تزرع السمسم والقمح.
بدورها، تولت الفنانة عبير عثمان عرافة الأمسية، وقالت لـ"عرب 48": "حب الدامون مزروع فينا... النكبة ليست ذكرى، بل واقع يومي". وشددت على أن الأمل بالعودة لم ينقطع، قائلة: "حتى لو لم نعد نحن، فليعد أولادنا".
وعرضت الفنانة دعاء صمد عواد في الأمسية، أعمالًا ذات طابع وطني وتراثي، وركزت على قضايا المرأة. وأكدت لـ"عرب 48" أن اثنتين من لوحاتها منعتا من العرض لأسباب رقابية، لكنها التزمت بقرارات المنظمين وحرصت على المشاركة.
ومن بين أعمالها لوحة بعنوان "مريض أنا بجمالك" تخليدًا للشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، وأخرى تجمع رموزًا وطنية مثل الكوفية والعلم الفلسطيني والمسجد الأقصى. وشدّدت عواد على دور الفن كأداة للمقاومة، قائلة: "ريشة الفنان هي صوته الحر، وإذا لم يحمل رسالة، فهو ليس فنانًا".


