عاد التراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات من جديد بين حركة حماس والاحتلال "الإسرائيلي" بشأن مفاوضات غزة وصفقة تبادل الأسرى وإنهاء حرب الإبادة المتواصلة على القطاع للعام الثاني على التوالي، بشأن المسؤولية عن تعطيل الوصول إلى اتفاق. وشهدت الأسابيع الماضية حراكاً متصاعداً قام به الوسطاء القطريون والمصريون بحضور أميركي فاعل للوصول إلى اتفاق وصفقة تضع حدّاً للحرب التي أوشكت على دخول شهرها السادس عشر على التوالي.
تفاؤل ثم تشاؤم في مفاوضات غزة
وسيطرت خلال تلك الفترة حالة من التفاؤل، حيث ظهرت في تصريحات لحركة حماس التي قالت في بيان أصدرته بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول الحالي، إن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى ممكن "إذا توقف الاحتلال عن وضع شروط جديدة".
في المقابل، فإن رئيس وزراء العدو "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو تحدث في جلسة استماع له أمام الكنيست في 23 ديسمبر، عن وجود تقدم في مفاوضات الصفقة وإمكانية الوصول إلى اتفاق. في الوقت نفسه، فإن الوسطاء، وتحديداً الطرف الأميركي، كانوا يتحدثون باستمرار على لسان ممثلي الإدارة الأميركية عن وجود تقدم ملموس وحقيقي.
غير أن التراجع الأولي في المشهد، بدأ الأربعاء الماضي في 25 ديسمبر، حين أصدرت حركة حماس بياناً، قالت فيه إن مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى تسير في الدوحة بالوساطة القطرية والمصرية بشكل جدّي، وقد أبدت الحركة المسؤولية والمرونة، غير أن الاحتلال وضع قضايا وشروطاً جديدة تتعلق بالانسحاب ووقف إطلاق النار والأسرى وعودة النازحين، ما أجّل التوصل إلى الاتفاق الذي كان متاحاً".
وردّ نتنياهو في اليوم التالي باتهام الحركة بتعطيل الوصول إلى اتفاق وعرقلة ذلك بوضع شروط جديدة والتراجع عن التفاهمات التي جرت عبر الوسطاء المصريين والقطريين والطرف الأميركي، ليعود من جديد شبح التشاؤم بتأجيل الوصول إلى صفقة قبل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض من جديد في 20 يناير/كانون الثاني المقبل. كذلك، نفى مكتب نتنياهو، مساء السبت، تقريراً عن احتمالية إبرام "صفقة محدودة" في بادرة حسن نيّة قبل تنصيب ترامب، وذلك بعدما كانت القناة 12 العبرية قد ذكرت أن "إسرائيل" و"حماس" مهتمتان بالوصول إلى "اتفاق محدود تزامناً مع تنصيب ترامب".
مع الإشارة إلى أن رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بحث في الدوحة السبت، مع وفد من "حماس" برئاسة خليل الحية، آخر مستجدات مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة، و"سبل دفعها إلى الإمام، بما يضمن الوصول إلى اتفاق واضح وشامل يضع حداً للحرب المستمرة في القطاع"، وفق وكالة الأنباء القطرية "قنا".
ويتابع الفلسطينيون باهتمام بالغ مفاوضات التبادل، أملاً في الوصول إلى صفقة تنهي الحرب وتسمح لنحو مليوني نازح بالعودة إلى مناطق سكنهم التي تعرضت لتدمير شبه كامل، ولا سيما في مناطق مدينة غزة وشمال القطاع ومدينة رفح. وتسيطر حالة من القلق والخشية لدى الفلسطينيين من انهيار مفاوضات التبادل وسط التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدت إخلاء مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شماليّ القطاع، وتوغلاً برياً في مدينة بيت حانون من قبل قوات الاحتلال في امتداد للعملية العسكرية المتواصلة للشهر الرابع على التوالي، شماليّ غزة.
وتعززت هذه الحالة بعد التصريحات التي أدلى بها القيادي في حركة حماس، أسامة حمدان، برفض الاحتلال للاقتراحات التي قدمتها الحركة بشأن الانسحاب الكامل من القطاع والوصول إلى صفقة تبادل شاملة. وتضع "حماس" منذ بداية الحرب عدة شروط، أبرزها وقف إطلاق النار بشكل كامل، وعودة النازحين والانسحاب "الإسرائيلي" الشامل والوصول إلى صفقة "مشرفة".
قرار سياسي مفقود في تل أبيب
يقول الكاتب والباحث في الشأن السياسي ساري عرابي، إن سبب العودة إلى التراشق في مفاوضات غزة بعد تقدم نسبي وتفاوض جدي، هو ما قاله "الإسرائيليون" أنفسهم إن القضية تحتاج قراراً سياسياً "إسرائيلياً". ويضيف عرابي في حديث لـ"العربي الجديد"، أن نتنياهو يرفض أن يعطي القرار بالمضيّ في هذه الصفقة وفق البنود التي جرت بلورتها والاتفاق عليها بين مختلف الأطراف، بما في ذلك مع الوفد الأمني "الإسرائيلي"، وليس أدل على ذلك أن نتنياهو نفسه في الآونة الأخيرة اتهم بعض أعضاء الوفد بأنهم أقرب إلى "حماس" منهم إلى الاحتلال.
ويشير الباحث في الشأن السياسي إلى أن المشكلة في الاحتلال الذي يعتقد أن بإمكانه أن يشتري في مفاوضات غزة المزيد من الوقت، وأن يقتل بشكل أكبر ويدمر بشكل أعنف وينتزع إنجازات ويكرسها من خلال شراء الوقت. ويضيف أن نتنياهو يرى أن المزيد من المرونة من طرف المقاومة الفلسطينية يستدعي المزيد من الضغط العسكري وليس الوصول إلى صفقة كما حصل في يوليو/تموز الماضي، حينما قبلت "حماس" العرض المقدم ورفضه نتنياهو، ورأى أن استمرار الضغط العسكري سيدفع الحركة إلى تقديم المزيد من التنازلات.