منذ بداية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، تعيش الضفة الغربية المحتلة حالة غليان شعبي تتمركز في شمالها، في "مثلث الرعب" (طولكرم، نابلس، وجنين) تحديدا، حيث تقتحم قوات العدو مدنها ومخيماتها وبلداتها يوميا وتقتل وتعتقل المواطنين وتدمّر البنى التحتية وتفجّر المنازل وتجرف الأراضي، وحيث يقاوم شبابها وفتيانها بالأسلحة والأكواع والحجارة والسكين، ويفجّرون آليات العدو المقتحمة بالعبوات الناسفة محلية الصنع، ويصيبون المستعمرين المتوحشين عندما يطلّون من مركباتهم المحصنة.
يشارك المقاومون في كل أنحاء الضفة الغربية، في جنوبها وشرقها، بهذه الملحمة التي لم تتوقف منذ السابع من أكتوبر، غير أنه في الشمال، في "مثلث الرعب"، لم تبدأ في هذا اليوم، لكنها مستمرة منذ سنوات، خاصة بعد عملية الهروب من سجن جلبوع التي نفذها أبناء منطقة جنين ومخيمها يوم 6/3/2021 وولادة "كتيبة جنين"، ومعركة "سيف الفدس" التي تلتها في أيلول/سبتمبر 2021 والتي جسّدت "وحدة الساحات" الفلسطينية، عسكريا وشعبيا.
يحاول الصهاينة وشركاؤهم الغربيون الترويج الى أن جهات خارجية (إيران خصوصا) تقف وراء عمليات المقاومة وتمدها بالسلاح، وكأن الشعب الفلسطيني غير معني بالتوحشّ الصهيوني على حياته، بغض النظر عن ضرورة دعم وتسليح المقاومين في فلسطين. لكن يكفي العودة قليلا الى التاريخ المعاصر للتأكد من أن الشعب الفلسطيني لم يتوقف يوما عن محاربة المحتلين والمستعمرين، رغم تفوقهم العسكري وإرهابهم. تمثل ثورة 36-39 إحدى المراحل المشرقة التي أبدع فيها الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال البريطاني والمستوطنين الصهاينة، وخاصة في "مثلث الرعب" الفلسطيني.
وثّق مؤلف كتاب "دور فلاحي منطقة جبل نابلس ومناطق أخرى في الثورة العربية الفلسطينية الكبرى 1936-1939"، الأستاذ عبد العزيز أمين عرار، عمليات المقاومة ورجالها ونسائها، وقياداتها المحلية وانتمائها السياسي والاجتماعي في مواجهة الاحتلال البريطاني وأعوانه، الذي كان يشجع الاستيطان الصهيوني ويمكّنه من الاستيلاء على البلاد. لقد ركّز الكاتب على شمال الضفة الغربية، رغم امتداد الثورة جنوبا حتى مدينة بئر السبع وشرقا في قرى ومدن الجليل (الناصرة وريفها).
بين ثورة 36-39 والحالة الثورية اليوم خلال معركة "طوفان الأقصى"، وخاصة في شمال الضفة الغربية، ثمة تشابه واختلاف. ومن أهم أوجه التشابه، الحالة الثورية ضد وجود الاحتلال، إن كان احتلالا استعماريا (بريطانيا) أو احتلالا استيطانيا إلغائيا (صهيونياً).
1 – كما انطلقت كتائب المقاومة المسلّحة (كتيبة جنين وامتداداتها وعرين الأسود) بضعة سنين قبل اندلاع معركة "طوفان الأقصى" من قطاع غزة، انطلقت شرارة ثورة ال36 قبل الإعلان بأيام عن بداية الإضراب العام في فلسطين، أي بعد بضعة أشهرعلى استشهاد الشيخ المجاهد عزالدين القسام في أحراش يعبد (19 نوفمبر/تشرين الثاني 1935)، عندما أوقفت مجموعة من الثوار، قافلةعلى طريق قرية بلعا، بين نابلس ودير شرف، في 15/4/1936، وقتلت مستوطنَين. "وقد انتشر بين الناس أن مجموعة بلعا مجموعة قسامية يقودها الثائر فرحان السعدي".
بعد هذه الحادثة، حدّدت اللجنة القومية في نابلس التي تشكلت في 19/4 أن "الإنكليز العدو رقم واحد وهم أصل البلاء والمسؤولين عما أصاب القضية الفلسطينية". وفي 25/4، تأسست اللجنة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، التي نادت باستمرار الإضراب حتى تحقيق مطالب الشعب.
2 - تهاجم اليوم القوى الثورية المؤلفة من أبناء فلسطين الدوريات الصهيونية المقتحمة للمدن والمخيمات والبلدات بأنواع من الأسلحة والقنابل، وتزرع الطرقات بالعبوات الناسفة المتعددة الأحجام بانتظار مرور القوافل الصهيونية، وتخوض معارك تدوم أحيانا أكثر من 24 ساعة، وتُسقِط من وقت لآخر مسيّرات العدو التجسسية، وينتقل الثوار من بلدة الى أخرى لمساندة أخوانهم الذين يخوضون معارك بطولية ضد قوات العدو.
خلال ثورة 36-39، تركّز الهجوم على الدوريات البريطانية والقوافل اليهودية التي كانت تمر في المنطقة وقتل من فيها (طولكرم في 19/4/36)، وخرجت مجموعات قتالية في نابلس وطولكرم (أيار/مايو 1936). كانت مجموعة الحاج رامز خريم تصنع الديناميت والقنابل، فألقتها على سرايا الحاكم البريطاني في نابلس (أيار/مايو 1936). وخاض الثوار معركة نور شمس التي نظمها إبراهيم النصار (القائد الضابط العثماني) "عندما بلغه خبر مرور قافلة من الجند البريطاني قادمة من حيفا الى نابلس". ونشط الثوار، بقيادة عبد الرحيم الحاج محمد، بغاراتهم المتكررة على سجن نور شمس حيث كان الشباب العربي رهن الاعتقال. وخاض الثوار معركة عنبتا يوم 23/6/36 ضد قافلة تضم اليهود والجند المرافقين لهم، وكان عددهم بحوالي 170 فردا، وشاركت ثلاث طائرات حربية بريطانية في المعركة "استخدمت للمرة الأولى في مواجهة مباشرة ضد الثوار". استغرقت المعركة 7 ساعات، وأسقطت فيها طائرة حربية للعدو. وفي آذار 1938، حصلت معركة اليامون الكبرى، حيث استشهد الشيخ عطية أحمد عوض، وتلتها معركة رمانة. ثم هاجم الثوار ثكنات الجيش في جنين (18/11/38) حيث تم اغتيال حاكمها العسكري.
في 28/4/ 1936، بدأت مجموعة القسامي محمد صالح (أبو خالد) أعمالها الثورية بالهجوم على دورية انكليزية، وتوالت المعارك: جبع (23-24/9)، بيت أمرين (من قرى نابلس) (29/9/36) التي استغرقت 8 ساعات، وحيث شارك مرتزقة من عدة دول في قوات الاحتلال، بلعا (10/8/36)، الفندقومية (3/6/1936) حيث رابط الثوار وقائدهم الشيخ فرحان السعدي لقافلة انجليزية على طريق نابلس- جنين، وانقضوا عليها وهم حوالي مئة ثائر.. ومعركة بلعا بقيادة (فوزي) القاوقجي (3/9/36) حيث تم"زرع الألغام في الطريق العام وفي مسافة طويلة بانتظار انفجار أول سيارة قادمة من القافلة الإنكليزية المكونة من عشرين سيارة حربية مملوءة بالجند" فشارك نحو 1000 من المجاهدين العرب والفلسطينيين في هذه المعركة التي استمرت 12 ساعة، مقابل 5000 جندي إنكليزي.
3 – شراسة العدو وإرهابه: يشنّ اليوم العدو الصهيوني حملات إرهابية ضد الثوار، ويطلِق مستوطنيه الهمج على المواطنين في البلدات والقرى المعزولة. فيقتل ويعتقل الآلاف، وينسف المنازل لا سيما منازل الثوار، الشهداء أو المعتقلين، ويجرف الأراضي، ويدمّر البنى التحتية، خاصة في المخيمات كعقاب جماعي لمجتمع المقاومة، ويستخدم الأهالي كدروع بشرية خلال اقتحاماته للمنازل والأزقة، ويعتقل أفراد العائلة كرهائن عندما يلاحق الثوار "المطلوبين". فيقتحم المدن ويروّع العائلات بكسر أبواب منازلها في الليل، ويسرق مقتنيات المنازل والمحلات التجارية والبنوك. في سجونه، يتم تعذيب المعتقلين حتى الشهادة، وتعتبر سياسة الإذلال المعنوي واللفظي والجسدي أسلوب الصهاينة المفضّل في تعاملهم مع الشعب الفلسطيني، تجسيدا لعنصريتهم وتوحّشهم. يسعى العدو الصهيوني، من خلال هذه الممارسات، الى عزل المقاومين عن شعبهم أولا، ثم الى تدمير المخيمات (جنين، بلاطة، نور شمس) وتهجير أهل فلسطين من وطنهم.
في العام 1936، حاول الاحتلال البريطاني قمع الثورة بتنفيذ قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، فشنّ حملة اعتقالات جماعية وإبعاد السياسيين داخل فلسطين وخارجها. فرض الغرامات، ومارس التعذيب والتنكيل والإعدام الميداني و"القانوني"، و"قام باعتقالات جماعية لأبناء قرى قضاء طولكرم وتعذيبهم: عنبتا، بلعا، دير الغصون، كفرمان، شريكة، عرعرة، عتيل، عرار... وسيقوا الى معتقل نور شمس.. وقدر عدد المعتقلين حوالي 1500 معتقل"، فنسف البيوت وشتّت أهلها، "وخاصة قرى بلعا، وقولة، وأكتابا، والطيرة" في "مثلث الرعب".
يروي المعلم أبو دبسة من قرية بلعا ما فعله المحتلون بأهل القرية بعد معركة 3/9/36 التي استمرت 12 ساعة، حيث اعترف الاحتلال بمقتل ضابطين وإصابة ثلاثة جنود بجروح خطيرة، وبتدمير طائرة: "دخلت القرية قوات كبيرة من الإنجليز، وجمعت النساء والصبيان في المسجد والرجال على بيادر الأعوج، وقامت بتفتيش القرية بيتا بيتا: يكسرون الأبواب والخزائن، ويصبون الزيت على الفراش ويخلطون السكر بالملح، ويسرقون ما تقع أعينهم عليه.. "
لجأ الجيش البريطاني الى اعتقال الفلاحين والمزارعين من الرجال والنساء والأطفال ووضعهم في العربات لحين مرورهم من الكمائن، واستخدمهم دروعا بشرية ووضعوهم في مقدمة العربات الكاشفة، وهدم بيوت قادة الثورة، منها بيت المجاهد عبدالرحيم الحاج محمد بتاريخ 27/9/36، الذي تم نسفه للمرة الثانية (1938) بعد أن أعاد الأهالي بناءه.
4 – التفوّق العسكري الاستعماري مقابل شجاعة وإبداع الفلسطيني: في الضفة الغربية اليوم، يستخدم المستوطنون الصهاينة الطيران الحربي والمسيّرات لاغتيال الثوار وقتل أبناء مجتمعهم ونسف المنازل لتشريد ساكنيها. يفتخر الصهيوني بمركباته المحصنة التي تقتحم المدن والمخيمات، والتي تجرف كل شيء، بما فيها أجساد الشهداء، لكن تمكّن المجاهدون من نسف بعضها واعطابها وتحويلها الى خردة. وفي ثورة 36-39، كان الجيش البريطاني يستخدم الطيران لقصف القرى المأهولة والطرق والوديان والأحراش في ملاحقة الثوارلاغتيالهم. ورغم الأسلحة القديمة التي امتلكوها (التركية أو الأوروبية من بقايا الحرب العالمية الأولى)، كان الثوار يوقفون قوافل الأعداء بالسواتر الترابية أو الصخرية، ويمطرونها بالنار ويقتلون ويجرحون من فيها ويعطبون بعضها، قبل أن تسرع الطائرات لنجدة المحتلين، فيتم أحيانا اسقاطها، ما يثير غضبهم وانتقامهم من الأهالي.
5 – تآمر الأنظمة الرسمية العربية واندفاع الشعوب لمساندة الثوار: لم يعد سرا موقف الأنظمة العربية الواقعة تحت السيطرة البريطانية من الثورة الكبرى في فلسطين، لقد تآمرت على الثوار وعلى قيادة الحركة الوطنية وطالبتهم بانهاء الثورة والإضراب العام مقابل وعود بريطانية كاذبة. واليوم، تقف هذه الأنظمة عاجزة عن تقديم أي دعم للثوار الفلسطينيين أو أنها متواطئة مع العدو وأعوانه الغربيين، بحجة احترامها للمنظومة الدولية الظالمة والمجتمع الدولي المخادع. في المقابل، سارعت فئات شعبية وقوى سياسية عربية خلال ثورة 36-39 الى التوجه الى فلسطين والتطوع الى جانب الثوار والمشاركة في المعارك، حيث استشهد العديد من المجاهدين، كالثائر سعيد العاص من سوريا الذي استشهد في جبل الخليل (6/10/36)، والمجاهدين حسن أعرار ومنصور الحوراني من دمشق، على سبيل المثال.
واليوم، بات التطوع الشعبي الى جانب الأحرار محرّم دوليا، في حين تسمح الدول الغربية التطوّع الى جانب القوى أو الدول المعادية لحرية الشعوب، بصفة المرتزقة أو غيرها. فلذلك، نشأت اليوم جبهة مساندة للقوى الثورية الفلسطينية، انطلقت من لبنان واليمن والعراق وسوريا، تختلف تنظيميا عن المتطوعين في ثورة 36-39 الذين انضموا مباشرة الى الثوار الفلسطينيين، في حين تتكون جبهة المساندة من قوى مسلحة منظمة تضرب الكيان الصهيوني وفقا لتقديراتها وامكانياتها.
6 – الحاضنة الشعبية: أثبتت المواجهات في الضفة الغربية بين القوى الثورية والمحتلين الصهاينة، وما يتبعها من دمار وتشريد، ثبات الحاضنة الشعبية للثورة والتفافها حولها، رغم كل الفظائع التي يرتكبها العدو لعزل الثوار (الاعتقال، القتل، هدم البيوت، تدمير البنى التحتية). خلال ثورة 36-39، مارس الجيش البريطاني كافة أشكال الترهيب لفصل الأهالي عن الثوار، لكنه فشل في المرحلة الأولى (36-37). كانت النساء ترسل الماء والزاد للثوار، كالشهيدة فاطمة غزال من قرية عزون، وأرسلت هذه القرية أكياس الحنطة للأسر المنكوبة في نابلس، كما ورد في الصحافة الفلسطينية يومها.
ثمة أوجه اختلاف بين ثورة اليوم ضد الصهاينة في الضفة الغربية وثورة 36-39 ضد الاحتلال البريطاني، أهمها :
1 – في حين كان الفلاحون وقود ثورة 36-39 وقادتها، يتصدّر اللاجئون اليوم الثورة ضد الاحتلال الصهيوني، بعد سرقة الأراضي وتحويل المزارعين الفلسطينيين الى عمال في المستوطنات، في الأراضي المحتلة عام 1948 أو 1967.
2 – في حين تقف اليوم الولايات المتحدة الأميركية وراء العدوان الهمجي الصهيوني، كممثلة للنظام الاستعماري الغربي، كان الاستعمار البريطاني عدوا مباشرا للشعب الفلسطيني وثواره. واجه الثوار الجيش البريطاني ومنشآته أولا قبل أن يقدموا على قتل المستوطنين الصهاينة ضمن القوافل أو في الغارات التي كانوا يشنونها على المستوطنات المقامة حديثا، والتي كان يحميها الجيش البريطاني. من ناحية أخرى، تحاول الولايات المتحدة اليوم خداع الشعوب العربية والرأي العام وتصوير نفسها كقوة عالمية محايدة في الصراع بين المستعمرين الصهاينة والشعب الفلسطيني، كما كانت تدعي بريطانيا ذلك خلال احتلالها لفلسطين. ما يعني أن مواجهة الوجود الأميركي ليست مواجهة مباشرة في فلسطين، بل هي مواجهة شاملة عربية وإسلامية، مباشرة وغير مباشرة، للتخلص من النفوذ الأمريكي في المنطقة.
3 – تنظيم الثوار والوحدة الميدانية: تتميّز الثورة الحالية في الضفة الغربية، لا سيما في "مثلث الرعب" بتنظيم الثوار ضمن مجموعات قتالية، مرتبطة أغلبها بقيادة سياسية وعسكرية تشرف على أدائها ضمن مخطط عام وتمدها بالسلاح والخبرات. رغم اختلاف الانتماء السياسي، جسّدت المجموعات القتالية وحدة ميدانية لمواجهة العدو، كما هو الحال في جنين ونابلس وطولكرم، والقرى والمخيمات المجاورة. لم يكن وضع الثوار خلال ثورة 36-39 مشابها تماما للوضع الحالي، بل سيطر أحيانا الانتماء المناطقي والمحلي، والعائلي والعشائري، وحال دون توحيد المجموعات الثورية التي انطلقت عفويا في القرى والمدن الفلسطينية، "وقد عانت مختلف المناطق من غياب الوحدة التنظيمية"، وتعاملت مع المواطنين بأشكال مختلفة، منها من فرض عليهم التبرعات العينية والمالية، وقام آخرون بتنظيم محاكم مدنية وشرعية كبديل عن المحاكم البريطانية، ما تسبب ببعض التجاوزات، استغلتها القوى المعادية للثورة في المرحلة الثانية من الثورة.
رغم هذه الممارسات والاختلافات، شاركت القوى الثورية في معارك مشتركة ضد الاحتلال البريطاني، كمعركة بلعا الثانية حيث "شارك في التخطيط والتنفيذ عدد من الثوار العرب وعلى رأسهم جاسم علي قائد الفرقة العراقية، وحمد صعب قائد الفرقة الدرزية، وفخري عبد الهادي، وعبد الرحيم الحاج محمد، ويوسف أبو درة، وحمد الزواتي، وإبراهيم نصار، وعارف عبد الرازق، وتوفيق علاري، وثوار عرعرة، ومحمد صالح (أبو خالد)، والشيخ فرحان السعدي".
وعقد المؤتمر الثوري في قرية دير غسانة في الفترة الممتدة بين 15 و18 /9/ 1938، من أجل حل الخلافات التي ظهرت بين القادة الميدانيين، لا سيما القائدين عارف وعبد الرحيم. لقد توسط القائد القسامي محمد الصالح أبو خالد لعقد هذا اللقاء التوحيدي بين المجموعات الثورية. اتفق المجتمعون على تشكيل مجلس قيادة للثورة: عارف عبد الرازق، عبد الرحيم الحاج محمد، حسن سلامة، يوسف أبو درة ومحمد صالح أبو خالد، الذي استشهد في اليوم التالي للمؤتمر (16/9)، عندما تعرض لقذائف الطائرات الإنكليزية أثناء عودته لقريته سيلة الظهر.
4 – يواجه اليوم الثوار الفلسطينيون الاحتلال الصهيوني في ظل "سلطة فلسطينية" أقيمت في الضفة الغربية (وقطاع غزة) تحت الرعاية الدولية لمنع حرب التحرير الشعبية والتخلص من المستوطنين. تطارد هذه السلطة الثوار وتزجهم في سجونها وتقمع كل من يخالف رأيها، مستعينة بأجهزة قمعية تم تدريبها من قبل الولايات المتحدة وتمويلها من قبل الاتحاد الأوروبي. من ناحية أخرى، وجود السلطة في الضفة الغربية يعيق امتداد الثورة (حتى الآن) وسيطرتها على مناطق، كما سيطر ثوار 36-39 على مناطق لمدة معينة. تقوم اليوم السلطة بدور وظيفي معادي للثورة، وهو دور مشابه للقوى الموالية للاحتلال البريطاني التي نشطت في المرحلة الثانية من ثورة 36-39، والتي اغتالت الثوار وبثت الفتن في المجتمع المقاوم.
بعد هذه المقارنة السريعة بين الحالة الثورية اليوم وثورة 36-39 في "مثلث الرعب"، يمكن استنتاج ما يلي:
1 – لم يتوقف الشعب الفلسطيني يوما عن مواجهة المحتل الظالم، مهما كانت أهدافه، سواء سرقة الأرض أم السيطرة العسكرية.
2 – الممارسات الوحشية الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني لا تختلف عن الممارسات الوحشية الاستعمارية الغربية في العالم، لأنها تنتمي الى نفس المدرسة العنصرية التي تعتبر أنه يحق "للرجل الأبيض" السيطرة على الشعوب وتسخيرها لخدمته. يقع الاختلاف فقط حول تبرير هذا التوحش وتغليفه بشعارات جذّابة.
3 – لقد فشلت ثورة 36-39 لأسباب عدة، أهمها الظروف التي اندلعت فيها، لكن استمرار الحالة الثورية اليوم في "مثلث الرعب" (شمال الضفة الغربية) في ظل معركة "طوفان الأقصى"، والتي يمكن اعتبارها امتدادا لها، كما يعتبرها الثوريون أنفسهم اليوم، في بياناتهم اليومية، يفتح آفاقا لتغيير جذري في فلسطين، نحو تحرير البلاد من الصهاينة وأعوانهم الغربيين وغير الغربيين. لم تعد الظروف الدولية والإقليمية مماثلة، رغم الاحتلال الاستعماري الصهيوني لكافة الأراضي الفلسطينية، وبات الشعب الفلسطيني أقوى في وعيه وإصراره وامتلاك مقاومته خبرات متطورة في صناعة الأسلحة وتنفيذ عملياتها الجهادية.