راغدة عسيران
خلال الأسبوع الفائت، صدر قراران دوليان، الأول من "محكمة الجنائية الدولية"، والثاني من "محكمة العدل الدولية"، يعارضان، ولو بأساليب مختلفة، حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها الكيان الاستيطاني الصهيوني على قطاع غزة. في حين أوصى المدعي العام في "المحكمة الجنائية الدولية" إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء العدو ووزير حربه، بتهمة تنفيذ "سلسلة من جرائم الحرب" في قطاع غزة، في حين أصدرت "المحكمة الدولية" أمرا بوقف الحرب على رفح. وفي الحالتين، تم ذكر المقاومة الفلسطينية وعملية "طوفان الأقصى"، فزجّت "الجنائية" أسماء ثلاثة من قادة المقاومة وطالبت باعتقالهم، فيما طالبت "المحكمة الدولية" بالإفراج "الفوري وغير المشروط" عن الصهاينة المخطوفين والمعتقلين لدى المقاومة من أجل التبادل بأسرى فلسطينيين.
رحّبت المقاومة الفلسطينية بهذه الخطوات القضائية التي تجرّم الاحتلال الصهيوني وحربه الوحشية على الشعب الفلسطيني، لكنها توقفت عند عدم شمولها لكافة المسؤولين الصهاينة عن حرب الإبادة، في قرار "الجنائية الدولية"، ولكافة مناطق قطاع غزة، في قرار "العدل الدولية"، ورفضت "المساواة بين الجلاد والضحية" في قرار الأول.
وبينما رحّبت معظم دول العالم بالقرارين، شنّ العدو هجوما هستيريا على القرارين، وخاصة قرار الاعتقال الصادر عن "الجنائية الدولية"، ليس فقط بسبب المسّ بالمسؤولين الصهاينة، بل وخاصة، لأن أوامر الاعتقال شملهما الى جانب قادة "حماس". كما رفضت الولايات المتحدة، راعية حرب الإبادة والمموّلة الرئيسية لها، القرارين، من خلال تصريحات أعضاء في الكونغرس أو في الإدارة الأميركية.
مما لا شك فيه أن القرارين الصادرين عن أعلى سلطات قضائية في العالم كونهما تابعان للأمم المتحدة، يعزلان الكيان الصهيوني عن سائر دول العالم، بل يلطخان، ولأول مرة، سمعته كـ"دولة ديمقراطية تدافع عن نفسها" وهو ما سعى الى هذه السمعة منذ تأسيسه، رغم المذابح التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة منذ العام 1948. فالتعبيرات التي صدرت عن المسؤولين المستوطنين الصهاينة للرد على القرارين، الذين وصفوا القضاة بـ"الأغيار" و"المعاداة للسامية" و"الموالين لحماس" وغير ذلك، لا تدلّ إلا عن صدمتهم عند اكتشافهم بأن كيانهم لم يعد ينظر اليه ككيان "استثنائي" لأنه "يهودي".
الوحشية التي يظهرها ويتباهى بها أمام العالم في حرب الإبادة التي يرتكبها ليست وليدة الكيان الاستعماري الصهيوني، بل سبقه اليها كل من المستوطنين الأوروبيين في أميركا والجزائر والهند وفيتنام وجنوب أفريقيا، وغيرها من دول الجنوب. لكن ومن أجل الحفاظ على مستوى معيّن من مصداقية هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها و"المجتمع الدولي"، وعدم تصدّعها لأن شعوب العالم لم تعد تتحمل المشاهد المروّعة للإبادة الجماعية التي ينفذها الكيان الهمجي باسمها وباسم "الحضارة" الغربية، كان لزاما على هذه المؤسسات التراجع عن تأييدها الأعمى وغير المشروط الذي أبدته منذ تأسيسها للكيان الاستعماري الصهيوني. لكنها زجّت في قراراتها، ومن أجل التأكيد على "حيادها" وأن قراراتها مدروسة وموثّقة وعميقة، بنودا متعلقة بالمقاومة، دون الأخذ بعين الاعتبار، أن وجود المقاومة الفلسطينية هو الرد الطبيعي على وجود كيان استعماري متوحش على أراض فلسطين.
انطلقت الجنائية الدولية من يوم "العبور" البطولي في 7 أكتوبر، واستعانت في قرارها بالأكاذيب التي روّجها العدو حول ذلك اليوم، رغم ثبُوت عدم صحتها. وكان كريم خان، صديق "إسرائيل" في ذلك الوقت، قد وصل الى الكيان الإرهابي في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) بدعوة من "أهالي المخطوفين" وكان قد صرّح قبل أي تحقيق جنائي "أن الهجمات ضد المدنيين "الإسرائيليين" الأبرياء في 7 أكتوبر تمثّل بعضاً من أخطر الجرائم الدولية التي تهزّ ضمير الإنسانية". هل ستطلب اليوم هذه المؤسسة وغيرها، في قراراتها المقبلة، إطلاق سراح "فوري وغير مشروط" للجنود الذين سقطوا في كمين المقاومة في جباليا؟ أم ستعترف يوما أن المقاومة الفلسطينية تدافع عن شعبها وتقاتل من أجل تحرير أرضها وقراها ومدنها المحتلة ومقدساتها؟
في الأساس، "الجنائية الدولية" وغيرها من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة (الأونروا، حقوق الانسان، الصحة العالمية وغيرها) تعترف بـ"شرعية" وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، رغم ممارسات هذا الكيان منذ إقامته: مجازر وتطهير عرقي، تدمير المجتمع الفلسطيني وكل مقومات الحياة فيه، والعنصرية التي أسست أيديولوجيته المستوحاة من الأيديولوجية الاستعمارية الغربية، والتي إضيف اليها مسحة تلمودية لتبرير الهمجية العنصرية الصهيونية.قد يعترف بعض المسؤولين الأمميين بوحشية الاستعمار الصهيوني، على المستوى الشخصي، لكن لن يتمكنوا من تغيير مسار هذه المنظمات التي وجدت أصلا لمنع حركات التحرّر الوطني من مواجهة احتلال واستيطان بلادهم.
لم تكن بعض هذه المنظمات يوما منظمات إنسانية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي منظمات سياسية تعتني بشؤون إنسانية وفقا لخطها السياسي، وهو منع الشعوب من تحرير نفسها من الطغيان أو تحرير أرضها من الاحتلال والاستيطان، من خلال توفير بعض الاحتياجات الضرورية لها، لمواصلة وتكريس الهيمنة الغربية. لم تعمل هذه المؤسسات بمكيالين، بل المكيال التي تستخدمه لإصدار قراراتها أو العمل بموجبه، هو دعم ما تعتبره يمثل "الشرعية الدولية"، أي المنظومة الغربية المهيمنة على العالم، والكيان الصهيوني جزء أساسي في هذه المنظومة. فدعمها لأوكرانيا ضد روسيا وللكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته يعني دعم "الحديقة" في مواجهة "الأدغال"، كما يراها جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية.
لا يمكن تغيير هذه النظرة الاستعلائية التي تكوّنت على أساسها المنظومة الدولية إلا من خلال الثورات الشعبية وحروب التحرير في دول الجنوب التي فرضت نفسها، كما فعلت الجمهورية الإسلامية في إيران ودول أصبحت سيادية في أميركا اللاتينية.
بالتزامن مع صدور القرارات القضائية الدولية ضد كيان العدو، أعلنت ثلاث دول أوروبية (اسبانيا، النرويج، إيرلندا) نيتها للاعتراف بـ"الدولة الفلسطينية"، واستنكار حرب الإبادة التي يقترفها العدو في قطاع غزة.
رغم الترحيب العربي والفلسطيني لتلك الخطوة، فـ"الدولة الفلسطينية"، هي:
1) كيان افتراضي يقع الى جانب الكيان الصهيوني الفعلي، ويفتح هذا الاعتراف مسار تفاوضي مرهون بميزان قوى دولي، كما صرّح رئيس وزراء النروج: "الاعتراف بدولة فلسطين قد يؤدي لاستئناف مسار تحقيق حل الدولتين ومنحه زخما جديدا".
2) تمثل هذه الخطوة الأوروبية "خطوة مهمة لدعم حل الدولتين وتحقيق السلام" و"تحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة رهين بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967"، كما صرّحت وزارة الخارجية القطرية.
3) إعلان هذه الدول الأوروبية عن نيَّة اعترافها بـ"الدولة الفلسطينية" جاء أيضا لمنع طرح شعار: "تحرير فلسطين من النهر الى البحر"، والوقوف أمام حرب التحرير التي يخوضها الشعب الفلسطيني ومقاومته وتجريمها.
فجاء هذا الإعلان بعد صمود الشعب الفلسطيني الذي كشف الوحشية الصهيونية، ما يعني أن المقاومة والصمود وخوض حرب التحرير الوطني والإعلان عنها صراحة، قد يدفع الدول في العالم الى التخلي عن دعم كيان إستعماري متوحش لم يعد يمثّل القيم الغربية التي تناشدها اليوم، وذلك بسبب وقوف شعوبها الى جانب الحق والحرية، ووعيها بالجريمة الكبرى بحق شعوب المنطقة التي تسببت بها حكوماتها.
