/مقالات/ عرض الخبر

ما بين نكبة 1948 وحرب الإبادة الجماعية اليوم

2024/05/17 الساعة 11:10 ص
لن نرحل.. فوق أرضنا باقون
لن نرحل.. فوق أرضنا باقون

راغدة عسيران

النكبة التي حلّت عام 1948 بإقامة كيان صهيوني إرهابي على أرض فلسطين، كانت تتويجا لعدوان همجي استمر لشهور خلال 1947 و1948، سعت العصابات الصهيونية خلالها الى تطهير عرقي تمثّل بارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين وتهجيرهم وإفراغ قرى ومدن فلسطين من سكانها الأصليين، وتدمير كلي أو جزئي لأكثر من 500 قرية لمنع أهلها من العودة اليها. فكان قرار عصبة الأمم في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 (والذي يراد منه أن يكون يوم "دعم الشعب الفلسطيني" كتعويض لسرقة أرض من شعبها) ووعد بلفور المشؤوم في 1917 التبرير الصهيوني للهجوم الإرهابي على مناطق واسعة من فلسطين والاستيلاء عليها وتهجير أهلها. 

في يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت عملية "طوفان الأقصى" المجيدة التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في ما يسمى "غلاف غزة"، التي قضت فيها على "فرقة غزة" العسكرية، واقتحمت المستوطنات المجاورة للقطاع، وأخذت رهائن صهاينة، عسكريين ومدنيين، لاستبدالهم بالأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون في سجون العدو في ظروف غير إنسانية... تُعتبر عملية "طوفان الأقصى" عملية هجومية على جيش العدو، رغم أنه يمكن اعتبارها في الوقت ذاته عملية دفاعية، ردا على الجرائم المتصاعدة بحق الفلسطينيين التي يرتكبها الصهاينة في أنحاء فلسطين وفي سجونهم. 

بعد الصدمة الوجودية التي أصابته بالصميم،  شنّ كيان العدو حرب إبادة جماعية على أهل قطاع غزة، مستمرة الى اليوم، بحجة تدمير "حماس" واستعادة "المخطوفين" الصهاينة. لكن وبعد 8 شهور على بدء هذه الحرب الوحشية (ومنذ إيامها الأولى)، توضحت نيّة العدو لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة: قتل أكثر من 35 ألف فلسطيني، وجرح أكثر من 70 ألفا، قطع المياه والكهرباء والمحروقات ومنع وصول المساعدات، ودمّر المنازل والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس، والطرقات والمزارع. أراد تجويع وتعطيش الغزيين لإجبارهم على الرحيل وتهجيرهم. وعادت الى العلن مشاريع التهجير وإعادة احتلال القطاع، أي تنفيذ نكبة ثانية بحق الشعب الفلسطيني، رغم استمرار النكبة الأولى بطرق ووتيرة أخرى.

يمكن اليوم المقارنة بين عدوان 1947-1948 الذي تُوّج بالنكبة، وحرب الإبادة الجماعية (2023-24)، من بعض النواحي: المجازر والتدمير الممنهج، المقاومة، مساندة المقاومة، موقف الدول الغربية ومشاركتها في العدوان، الإعلام وموقف الشعوب، ومصير الدول العربية.

لا شك أن العدوان الإرهابي الذي شنّته العصابات الصهيونية خلال أيام 1947-48 بعد إصدار قرار التقسيم كان يحضّر له من قبل القيادة الصهيونية والاحتلال البريطاني منذ نهاية ثورة 1936-1939، من خلال منع القوات البريطانية الشعب الفلسطيني من تسليح نفسه، وقمعه وإرهابه عبر اقتحاماتها المتكرّرة للقرى والمدن، وإثارة الفتن بين أبنائه، وأضعاف اقتصاده عبر سلسلة من القوانين تجرّده من إمكانية صموده أمام الغزو الاستيطاني، ومساعدتها لتمكين الغزو الصهيوني، ديمغرافيا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا.

عندما شنّت العصابات الصهيونية هجومها على المناطق الفلسطينية، في الشمال والجنوب، ومن الغرب الى الشرق لابتلاع فلسطين، لم يكن الشعب الفلسطيني مجهزا إلا قليلا لقتال الأعداء. قامت مبادرات محلية ومناطقية لتشكيل فرق تقاوم الاستيلاء على القرى، وسرعان ما تم تشكيل قيادة عسكرية مركزية (الجهاد المقدس) في بعض المناطق، ظلت تفتقر الى إمكانيات قتالية حتى آخر لحظة. بارتكاب مجازر فظيعة، تم تهجير نحو 750 ألف فلسطيني الى الدول المجاورة والضفة الغربية، بسبب اعتقاد السكان أنهم عائدون الى بيوتهم وديارهم بعد انتهاء العدوان.

أما اليوم، وبعد 8 شهور من حرب الإبادة، لم يترك الغزيون مناطقهم المدمّرة، ورغم التوحش الصهيوني ضد كل مقوّمات الحياة في هذه البقعة الضيقة من أرض فلسطين، رفض معظم أهلها المغادرة، بسبب الوعي السياسي الذي اكتسبه الشعب الفلسطيني منذ نكبة 1948. كما لم يغادر أهل كفر قاسم والمثلث عام 1956 بعد المجزرة الرهيبة التي اقترفها الصهاينة لتهجير أهل ال48، لم يغادر أهل غزة اليوم القطاع. سقط مشروع التهجير بفضل صمود الغزيين وشجاعتهم الأسطورية وبسالة المقاومة الفلسطينية.

لم تشارك في الدفاع عن فلسطين، قبل النكبة، إلا بضعة آلاف من المتطوعين العرب تحت راية  "جيش الإنقاذ" وغيرها، ولم تتدخل بعض الجيوش النظامية العربية إلا في وقت متأخر (بعد انتهاء الانتداب البريطاني، أي في شهري نيسان وأيار 1948) وبعدد قليل، حيث لم تكن هذه الدول محررة فعليا من الاستعمار الأجنبي.

واليوم، تشارك القوى الثورية العربية المسلحة في معركة طوفان الأقصى ضد الهمجية الصهيو-أميركية (حزب الله في لبنان والقوات المسلحة اليمنية بقيادة أنصارالله والقوى التحررية العراقية)، وتقف دولتا ايران وسوريا الى جانب المقاومة والشعب الفلسطيني، في الوقت الذي تساعد فيه دول عربية المجهود الحربي الصهيوني بامداده بالسلع الاستهلاكية، وتقمع فيه دول عربية أخرى شعوبها وتمنعها من التظاهر تأييدا للشعب الفلسطيني ومقاومته.

بعد النكبة، وخلال السنوات التي تلت، سقطت بعض الأنظمة العربية المرتبطة بالغرب الاستعماري بسبب تقاعسها عن مساندة الشعب الفلسطيني، ومساهمتها بشكل من الأشكال بنكبة الشعب الفلسطيني. واليوم، وبسبب ارتباط معظم الأنظمة العربية بـ"الشيطان الأكبر" (الولايات المتحدة)، وهشاشتها وعدم شرعيتها، وعدم استجابتها لواجبها الوطني والقومي والإنساني ودينها، وبسبب صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الشجاعة وبفضل دماء الشهداء، قد تشهد بعض الأنظمة تغييرات داخلية في السنوات المقبلة.

كما كانت بريطانيا والعصابات الصهيونية تعيق صمود الشعب الفلسطيني قبل النكبة، عملت الدول الغربية، و"المجتمع الدولي" وبعض الدول العربية و"السلطة الفلسطينية" على تشديد الحصار على قطاع غزة وأهلها، قبل حرب الإبادة الحالية، لإرغام قوى المقاومة على قبول المشاريع الاستسلامية التي طرحتها اتفاقيات أوسلو، وما تلاها من ترتيبات أمنية لصالح العدو. رغم الحصار القاتل، تمكنت المقاومة الفلسطينية من تسليح ذاتها وبناء قدراتها العسكرية والأمنية، وتمكين المجتمع المقاوم، وخوض عدة حروب دفاعية، بعد 2008 الى اليوم، بفضل مساندة قوى عربية وإسلامية (إيران، حزب الله، سوريا أساسا)، وذلك رغم اتفاقيات تطبيعية بين كيان العدو ودول عربية مجاورة وبعيدة، واستسلام معظم الدول العربية للهيمنة الأميركية والغربية على بلادها.

وكما تآمرت الدول الغربية على الشعب الفلسطيني ورضخت لواقع الاستيلاء على فلسطين وتهجير أهلها الى الدول المجاورة في العام 1948، تقف اليوم الدول الغربية الى جانب المتوحشين الصهاينة في حرب الإبادة، التي تقودها وتشجعها الولايات المتحدة الأميركية، رغم الخلافات الثانوية مع القيادة الصهيونية حول مسار الحرب.

فقد كانت الشعوب الغربية في العام 1948 غير واعية لخطورة المشروع الصهيوني الذي يهدّد حريتها، بل كانت تؤيد إقامة كيان صهيوني على أرض فلسطين، بسبب عقدة الذنب الجماعية اتجاه اليهود في أوروبا بعد "المحرقة النازية" وبسبب الجهل والعنصرية تجاه العرب والمسلمين بشكل عام، حيث لم يكن الإعلام الغربي وغيره معني بنقل أخبار المجازر التي ترتكبها العصابات الصهيونية في فلسطين، ولا أخبار المجازر التي ترتكبها القوات الغربية (الأميركية والأوروبية) بحق شعوب العالم الساعية للتحرر.

أما اليوم، وبسبب الوسائل الإعلامية الاجتماعية الفاضحة للإعلام الرسمي الغربي والإعلام الخاضع للشركات المالية العالمية، فصعد وعي الشعوب الغربية وظهرت الحقائق التي طمستها الدول الغربية عن شعوبها لعقود من الزمن، وتأكدت هذه الشعوب أن حريتها في بلادها مرهونة بتحرر الشعب الفلسطيني والشعوب المقهورة في العالم. فرفضت المشاركة في الإبادة الجماعية التي تنفذها حكوماتها عبر الكيان الصهيوني وطالبت بوقف حرب الإبادة ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني للتخلص من أبشع قوة استعمارية في العالم.

بعد 76 عاما على النكبة، لقد تغيّرت الأوضاع في العالم. فعالم الاستكبار ينهار أمام صمود اسطوري لشعب يريد تحرير فلسطين، كل فلسطين، من النهر الى البحر، وأمام المقاومين الفلسطينيين والعرب الرافضين للهيمنة الصهيو-غربية على بلادهم.

 

 

 

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/205058

اقرأ أيضا