قائمة الموقع

هل تخلّت فعلا ألمانيا عن تاريخها النازي ؟

2024-04-13T00:16:00+03:00
راغدة عسيران

تعتبر ألمانيا الدولة الأوروبية الأكثر انحيازا الى الكيان الصهيوني وتوحّشه خلال حرب الإبادة التي يشنّها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والدولة الغربية الأكثر قمعا للكلمة الحرة التي أطلقها المتظاهرون في شوارعها والتي يكتبها مثقفون عالميون لإدانة حرب الإبادة والمطالبة بوقفها.

لم يمر يوم منذ بداية حرب إبادة الشعب الفلسطيني إلا وأظهرت الحكومة الألمانية كم هي متماهية مع هذه الحرب الوحشية، من خلال تدفّق أسلحتها وذخائرها الى جيش العدو، ومشاركة مستشاريها العسكريين في إبادة العائلات الفلسطينية، ومن خلال قمع الصوت المناصر لفلسطين وشعبها في ألمانيا. بسبب هذه المشاركة الألمانية الفعالة في الحرب المتوحشة، رفعت نيكاراغوا، الدولة الثورية في أميركا الاتينية، دعوى ضدها الى محكمة العدل الدولية واتهمتها ب"تسهيل ارتكاب إبادة بحق الفلسطينيين". قد لا تدين هذه المحكمة ألمانيا ودورها في الإبادة كونها أداة يتحكم فيها الغرب الاستعماري، لكن مجرد رفع الدعوى تعتبر خطوة مهمة لفضح دور الدول الغربية، الأميركية والأوروبية، في صناعة "إسرائيل" وجرائمها بحق شعوب المنطقة.

تدعي ألمانيا أنها دولة متحضّرة تحترم الحريات وحرية الرأي والثقافة، لكنها أثبتت، خلال الحرب الصهيونية الهمجية منذ شهر أكتوبر الماضي أنها تميّز بين ثقافة "الرجل الأبيض" وثقافات الشعوب الحرة، وتشارك في تدمير الجامعات والمدارس الفلسطينية، وقتل الإعلاميين والأساتذة والأطباء الفلسطينيين واعتقالهم وتعذيبهم، بمشاركتها الفعالة في الحرب.

لقد تبرّعت بأن تكون الى جانب كيان العدو للدفاع عنه في المحكمة الدولية، رفضا لاتهامه بارتكاب حرب إبادة جماعية في قطاع غزة. وفي هذا الصدد، لعبت ألمانيا لعبة التضليل المعتادة لدى الصهاينة، عندما اتهمت "حماس" بنيّة الإبادة الجماعية بحق "اليهود"، بالقول إن "حماس تريد إزالة "دولة إسرائيل"، دون أي تمييز بين الدول من جهة والمجتمعات الإنسانية والبشر من جهة أخرى.

من ناحية أخرى، كان المستشار الألماني من أوائل الذين وصلوا الى الكيان الصهيوني بعد ال7 من أكتوبر للتعبير عن تضامنه الكامل ووقوف دولته الى جانب المستعمرة المتوحشة، بالمال والسلاح والإعلام. سياسيا، تدعم ألمانيا استمرار الحرب الهمجية على الشعب الفلسطيني من خلال عدم التصويت في مجلس الأمن على قرار "وقف الحرب"، وفي الداخل الألماني، لا تحترم ألمانيا ومختلف مؤسساتها حرية الرأي، فتقمع الأصوات المدافعة عن الشعب الفلسطيني والمطالبة بوقف حرب الإبادة في قطاع غزة.

منذ بداية الحرب الهمجية الصهيونية، ألغى معرض فرنكفورت الدولي للكتاب حفل تكريم الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي وتسليمها جائزة عن روايتها "تفصيل ثانوي"، الذي كان مقررا سابقا. بعد أشهر، في فبراير الماضي، تعرّض الأكاديمي اللبناني الأسترالي غسان الحاج لحملة تشويه في الصحافة الألمانية وأوقف معهد ألماني التعاقد معه بسبب منشوراته على منصات التواصل الرافضة للحرب ومطالبته بوقف "الجرائم الحربية والإنسانية". وقبل أيام، سحبت جامعة ألمانية دعوة كانت قد أرسلتها الى المفكرة اليهودية الأميركية نانسي فريزر لتولي منصب فيها، بسبب توقيعها على رسالة مفتوحة بعنوان "فلسفة من أجل فلسطين". وفي إعلانه قبل أشهر، اشترط مجلس الشيوخ في برلين تمويل المثقفين بنبذ "معاداة السامية" كما حدّدها الصهاينة. وقبل إيام، أوقفت قناة تلفزيونية ألمانية مقدمة البرامج لديها، من أصل سوري، هيلين فارس، بعد دعوتها على حسابها في شبكات التواصل، الى مقاطعة البضائع "الإسرائيلية"، معتبرة هذه الدعوة "متطرفة". ليست هذه الوقائع إلا أمثلة لقمع الحرية الثقافية والأكاديمية في ألمانيا "الديمقراطية" و"المتحضّرة"، وفي الدول الأوروبية الأخرى التي أعلنت دعمها غير المشروط لكيان العدو.

لكن الموقف الألماني المعادي لفلسطين ولشعوب العالم المطالبة بحريتها سابق للحرب. في العام 2021، أجرت قناة "دوتشيه فيله" الألمانية حملة تطهير في مؤسستها لمجموعة من موظفيها العرب، بعد التجسس على صفحاتهم على مواقع التواصل، إذ تبيّن أن هؤلاء الإعلاميين ليسوا موالين للصهاينة ولا يصدقون أكاذيبهم ودعاياتهم الرخيصة.  وفي العام ذاته، رفضت مؤسسة إعلامية تعيين الصحافية الألمانية من أصل فلسطيني نعمة الحسن، بعد التجسس على منصات التواصل الاجتماعي واكتشاف أنها رحّبت بعملية جلبوع البطولية، بعد أن كان قد تم اختيارها قبل أسابيع لتقديم برنامج علمي. كما أنهت مؤسسة "دوتشيه فيله" تعاونها مع قناة رؤيا الأردنية للسبب ذاته.

يأتي الدعم الألماني غير المشروط  للكيان المتوحش للتعويض عن تاريخ ألمانيا النازي، الذي تسبب بمحرقة بحق اليهود وغيرهم من الأقليات الأثنية، لكن لم تلتفت ألمانيا الى هذه الأثنيات الضحية والى تعويضهم كما تعوّض الصهاينة، ماليا وسياسيا، لأسباب مرتبطة بموقع الكيان الصهيوني كبؤرة استيطانية تابعة للغرب الاستعماري.

لكن لم تكن النازية المرحلة الوحيدة والأولى في التاريخ الألماني لاقتراف المجازر والإبادات الجماعية. لقد ذكَر رئيس ناميبيا العالم، بعد تبرع ألمانيا للدفاع عن الكيان الاستيطاني في المحكمة الدولية، بالإبادة الى نفذتها ألمانيا بحق الشعب الناميبي بين 1902 و1908بالقول : "ألمانيا ارتكبت الإبادة الجماعية الأولى على أراضينا في القرن العشرين، ولم تستخلص الدروس من تاريخها المروّع". لقد أبادت ألمانيا ما قبل النازية حوالي 75 ألف انسان من قبيلتي الهيريرو والناما، لأنهم رفضوا السيطرة الاستعمارية على بلادهم

بالنسبة لألمانيا والدول الغربية عموما، الإبادة الجماعية بحق الشعوب غير الأوروبية لا تساوي ما اقترفته النازية بحق "الرجل الأبيض"، ومجرد المسّ بهذا "الرجل الأبيض" يستدعي الاستنفار الحربي والسياسي والإعلامي الغربي، رغم الفظائع التي يرتكبها بحق شعوب العالم، كما هو الحال منذ إقامة الكيان الصهيوني الإرهابي. تقول ألمانيا بكل صراحة : "أمن إسرائيل أمننا"، وبما أن أمن "إسرائيل" يعني إبادة شعب فلسطين ومحو فلسطين، تدعم ألمانيا الإبادة والمحو.

تحاول الدول الغربية فرض مفاهيمها على شعوب العالم، فيما يخص معنى "الإبادة" لمنع استخدامها وتعميمها على تاريخ البشرية، وفيما يخص "معاداة السامية" لتشمل كل من يحاول تخليص العالم من كيان استعماري عنصري إحلالي، أقيم من أجل استعباد الشعوب.  قد تكون ألمانيا قد تخلت عن النازية كإبادة للأقليات الأثنية الأوروبية، لكنها لم تتخل عن التوحش الاستعماري، مثلها مثل بعض الدول الغربية الاستعمارية التي اتخذت من التوحش الاستعماري وسيلة للسيطرة.

فالتوحّش الاستعماري يتفوّق بشراسته وفظائعه، على النازية، لأنه يمزج التوحّش بالعنصرية ويطال كافة شعوب العالم غير الأوروبية. وهذا التوحش الاستعماري يبيد الآن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

لكن، وكما يقول اليوم عدد من المفكرين، لقد بعثت معركة "طوفان الأقصى" طوفان المفاهيم في شعوب الأمة والشعوب الحرة، وذلك بفضل الله تعالى أولا، ثم دماء الشهداء التي تنبت معاني الحرية والكرامة، وبفضل استمرار المقاومة وتوسعّ نطاقها في الإقليم. وطوفان المفاهيم هو إعادة النظر بكل هذه المفاهيم التي استطاع الغرب، من خلالها، إحكام السيطرة على عقولنا وقلوبنا.

 

اخبار ذات صلة