"إسرائيل تحتاج الولايات المتحدة كي تبقى على قيد الحياة، بينما تحتاج الولايات المتحدة إلى إسرائيل كي تبقى في المنطقة"، هذا ما قاله الكاتب التركي أوتكو ريحان، ولعلّ هذه الجملة اختصارٌ للإبادة الّتي تقودها الولايات المتّحدة الأميركيّة في غزّة متذرّعةً بمساعداتٍ واهيةٍ وممرّ بحريّ غارقٍ تنهشُ من خلاله أجسادَ الغزّاويّين، وفي الوقت عينه، تغذّي الأخيرةُ آلةَ الحرب "الإسرائيليّة" بتعبئة مخازن أسلحتها بُغيةَ إثبات ضلوعها في تدمير القطاع، إذ وجبَت على البيت الأبيضِ الإبادةُ كي تُدمجَ "إسرائيل" في المنطقة.
أمّا عن مصطلحِ الدّمج هذا فقد بدا شريكًا لمبدأ تطبيعِ العلاقات العربيّة مع الكيان المُحتلّ، لزرعه في منطقتنا وسعيه إلى الإحلال الدّائم فيها، فقد أعلن مسؤولون أميركيون، بدءاً بالرئيس جو بايدن وليس انتهاء برئيس وكالة الاستخبارات المركزية وليام بيرنز، إضافةً لوزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القوميّ جاك سوليفان، في تصريحات متعددة في الآونة الأخيرة، عن قناعة جليّة لدى الإدارة الأميركية الحالية بتوافر فرصة تدعم مشروع "دمج إسرائيل في المنطقة"، لفتح آفاق تسوية نهائية للقضية الفلسطينية.
ففي السّياق نفسه، وفي حديثه خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، أكّد بلينكن أنّ الكثير من الدّول العربيّة الآن تريد حقّا "دمج إسرائيل في المنطقة لتطبيع العلاقات"، مشدّداً على ضرورة المضيّ بالحلول "للحفاظ على أمن إسرائيل"، وفقَ تعبيره. ولا غروَ أنّ واشنطن تشدّد دائمًا على احتضانها للكيان المحتلّ ومجازره، فالدعم الأمريكي العسكري والمالي المستمرّ، واستخدام حق النقض ومعاقبة كلّ من يواجه الاحتلال أو يتعاطف مع المستضعفين، كلّ هذه دلائلُ واضحة على العقلِ الأميركيّ المدبّر لانخراط العدوّ في قلب المنطقة العربيّة.
من هنا، لم يكن تمسّك جزء كبير من النخبة السياسية الأميركية بحل الدولتين الواهي نابعاً من محاولاتٍ لإنقاذ الغزّاويّين من حربٍ تقودها واشنطن بآلتها "تلّ أبيب"، بل اقتناعاً بضرورة حلّ القضيّة بشكل غير منصف أو عادل، ومع أكبر قدر من التنازل عن الحقوق الفلسطينيّة والتّاريخيّة لصالح دمج وتثبيتِ الكيان "الإسرائيليّ" في المنطقة العربيّة وضمان مستقبله في تحقيق علاقات متكاملة مع الدّول المجاورة.
ما حصل في السّابع من أكتوبر كان صفعةً على خدّ الولايات المتّحدة الأميركيّة، وصلَ صداها إلى قلب ما يُسمّى "بالأمن الإسرائيليّ"، فأحسّت الإدارة الأميركيّة زعزعةً في أمنِ ذراعها وأداتها الاستعماريّة في المنطقة، لذا فإنّها تُحاول استعادةَ هيبةٍ فُقدت تحت أقدامِ المقاومينَ على كلّ جبهاتِ الإسناد، فالبيت الأبيضُ المتأرجح بين الإبادة وصناعة "السّلام" الواهم بتطبيعِ علاقاتٍ مع دولٍ لم تُبصر ربّما حمام الدّم "الإسرائيلي" الواضح في غزة بعد، يبحثُ عن نصرٍ دميمٍ لأداته "إسرائيل"، ولا نصرَ سوى للآلافِ الّذين يعبّدون بدمائهم طريق القدس، ولا هزيمةَ سوى لعربةٍ أميركيّةٍ تقود حصانًا "إسرائيليًّا"، فلا العربةُ تتحرّك، ولا الحصانُ يملكُ وُجهةً سوى الإبادة.