/مقالات/ عرض الخبر

الحراك الشعبي في الأردن: الى أين ؟

2024/04/03 الساعة 02:31 م
خالد الناطور.. والحراك الأردني
خالد الناطور.. والحراك الأردني

بقلم: راغدة عسيران

تشهد العاصمة الأردنية حراكا شعبيا واسعا، منذ مساء الأحد 24 مارس/ آذار، ضد استمرار الحرب الهمجية الصهيو- أميركية على قطاع غزة واستمرار تهويد القدس والمسجد الأقصى، ودفاعا عن المقاومة الفلسطينية. بعد انقطاع بضعة أسابيع وبزخم شعبي واسع، عادت الجماهير الى منطقة الرابية، حيث يقع مقر سفارة العدو. لم تعد تكتفي الجماهير الأردنية بالتظاهر الأسبوعي في وسط البلد في عمان ومدن أخرى، أيام الجمعة، منذ بداية حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، بل وسعت تدريجيا حراكها الشعبي وانتقلت الى محاصرة وكر الصهاينة في عمان، رغم أن المقر فارغ منذ بداية الحرب، لكن كما يقول خالد الناطورعضو مؤسس في التجمع الشبابي الأردني لدعم المقاومة - المسألة "رمزية".

في مقابلة معه، يشرح خالد الناطور تأسيس التجمع الشبابي وأهداف هذا الحراك الشعبي وتطوّره منذ بداية حرب الإبادة الجماعية، فيقول أن التجمع الشبابي هو مظلة سياسية أردنية تضم كل الأحزاب المعارضة، و"ملتقى الطلاب لدعم المقاومة"، وحركات المقاطعة المختلفة في الأردن. تأسس في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من أجل تحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية إزاء حرب الإبادة التي يشنها كيان العدو على أهل فلسطين. يلفت خالد الناطور الى أهمية الحراك بسبب العلاقة الخاصة بين الأردن وفلسطين، خاصة وأن المشروع الصهيوني يستهدف الأردن أيضا، كما أكدته تصريحات المسؤولين الصهاينة قبل شهور. لذلك يؤكد الناطور أن الأردنيين "جزء من هذه الحرب" التي تهدف الى إضعاف الإقليم ومنع نهضته ووحدته. بالتالي، المقاومة في قطاع غزة "تحمي كل شعوب المنطقة".

يقيم الأردن علاقة متعددة الجوانب مع كيان العدو، بعد التوقيع على اتفاقية وادي عربة 26 أكتوبر 1994، انسجاما مع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وكيان العدو، التي فتحت أبواب التطبيع بين دول عربية وإفريقية وآسيوية وبين "إسرائيل". يعتبر الأردن الدولة العربية الثانية، بعد مصر، التي طبّعت علاقاتها رسميا مع كيان العدو، لكن بقيت هذه العلاقة محصورة بالنخبة الحاكمة وبعض الجمعيات المموّلة من الخارج ولم تنتشر بين الفئات الشعبية والسياسية التي ظلت وفيّة للقضية الفلسطينية. ولم يشارك الأردن، مثل مصر، في قمة النقب التصفوية التي جمعت الدول العربية المطبّعة بالكيان الصهيوني في مارس/آذار 2022، تحت المظلة الأميركية.

خلال العقد الأخير، تأزمت العلاقة بين الأردن وكيان العدو، فقتل العدو القاضي زعيتر على جسر أللنبي في العام 2014، واستعاد الاردن منطقتي الباقورة والغمر في العام 2014 في ظل تهديدات "إسرائيلية" حول هذه المناطق، واعتقل العدو قبل سنة النائب الأردني عماد العدوان بتهمة تهريب سلاح الى الضفة الغربية، لكن الأهم هو التهديد الصهيوني للمسجد الأقصى وللوصاية الأردنية عليه، والسعي الصهيوني لاستبدالها بالوصاية السعودية. ورغم هذه الأزمات، واصل الأردن علاقات التطبيع في مسائل حيوية، مثل الغاز والمياه والكهرباء. فطالبت الحركات الشعبية وبعض الأحزاب المعارضة المتمثلة في البرلمان الأردني إلغاء هذه الاتفاقيات الخاصة، إضافة الى إلغاء اتفاقية وادي عربة وإقفال مقر السفارة الصهيونية في عمان.

منذ بداية الحرب الهمجية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ومقاومته، وبعد مشاركة اليمن بقيادة أنصار الله بحصار الموانئ "الإسرائيلية" لفك الحصار عن قطاع غزة ووقف حرب الإبادة،  سمحت الحكومة الأردنية بتصدير الخضار والفواكه الأردنية الى كيان العدو ووافقت على مرور الشاحنات القادمة من الإمارات العربية المتحدة والمتوجهة الى "إسرائيل"، لفك الحصار عنه. ما يعني أن الأردن الرسمي يشارك، وإن بطريقة غير مباشرة، في استمرار الحرب.

لكن من جهة أخرى، أرسلت الحكومة الأردنية مساعدات إنسانية الى قطاع غزة، بطرق مختلفة، جوا أو برا، تارة عن طريق معبر رفح وتارة أخرى عن طريق معبر كرم أبو سالم، بشكل منفرد أو مع فرنسا أو الأمم المتحدة، بالاتفاق مع الحكومة الصهيونية، للتعويض المعنوي عن مشاركتها غير المباشرة في الحرب وصمتها كباقي الدول العربية.

لم يبخل الأردنيون، منذ بداية الحرب، عن تقديم المساعدات الى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وقاموا بتحركات شعبية للتعبير عن تضامنهم مع المقاومة في كافة المدن. استنفرت الجمعيات ودعت الى التبرع، وأكدت على ضرورة مقاطعة الشركات التجارية التي تساند كيان العدو. تشير الإحصائيات الأخيرة الى نجاح حركة المقاطعة، بدليل إقفال بعض فروع شركة "كارفور" الفرنسية و"ماك دونالد" الأميركية وغيرها، وتسريح موظفيها.وخلال هذه الحرب الهمجية، وسّع الأردنيون حركة المقاطعة لتطال شركات أجنبية أخرى، كشركة توتال إنرجي الفرنسية، مثلا، وطرحوا مسألة البدائل الوطنية أو الإستغناء عن الاستهلاك غير الضروري. إن لم تكن هذه الأطروحات جديدة، فإنها تعبّر عن الوعي المعادي للغرب الامبريالي بين الجماهير الأردنية وضرورة التفكير في مسألة التنمية المستقلة.

وفقا للمناضل خالد الناطور، تطوّر الحراك الشعبي  في الأردن على خمس مراحل، أولها كان التعبير عن دعم المقاومة ومعركة طوفان الأقصى، من خلال التظاهرات الحاشدة في وسط المدن. ثم كانت إدانة المشاركة الأميركية في الحرب في المرحلة الثانية، عبر التظاهر أمام السفارة الأميركية ورفع شعارات منددة بالدور الأميركي "أميركا رأس الإرهاب" مثلا، خلال المظاهرات المركزية. ثم المشاركة في كسر الحصار عن غزة، عبر إرسال المساعدات عن طريق الأمم المتحدة، وركّزت المرحلة الرابعة على رفض تصدير الخضار والفواكه الى كيان العدو، ومرور الشاحنات في الأرضي الأردنية لفك الحصار عنه. في هذه المرحلة، تم التأكيد على أن الحكومة الأردنية تستطيع شرعيا وقانونيا وقف هذا التطبيع المخجل، وكل التبريرات التي تقدّمها أمام شعبها لا أساس لها. وقرّرت أخيراالحركات الوطنية، في المرحلة الخامسة، التجمّع الليلي أمام السفارة الصهيونية وحصارها رمزيا (لأنها مقفلة أصلا لكن علم العدو ما زال مرفوعا) وشعبيا، ورفع شعارات تندّد بالحرب وبالتطبيع العربي وبالمشاركة الغربية، وتدعم المقاومة في فلسطين، وتطالب بحماية المسجد الأقصى وسائر المقدسات من التهويد. يطمح المشاركون إيصال صرختهم الى العالم، الى الصديق (غزة وفلسطين والشعوب العربية) والى العدو (الكيان الصهيوني، الغرب المتحالف معه وعواصم التطبيع).

لم تتأخر ردود الفعل المشجعة والمناوئة لهذا الحراك الشعبي. لقد تفاعل أولا أهل قطاع غزة وكانت رسالتهم تقول أن الصوت الأردني الشعبي وصل، وتطالبهم بالاستمرار، وكذلك كانت الرسائل الفلسطينية عامة وخاصة المقدسيين، الذين اعتبروا أن التحرك الشعبي في الأردن قد يخفّف من اقتحامات الصهاينة للمسجد الأقصى خلال شهر رمضان.

إضافة الى العواصم  العربية المطبّعة التي اعتبرت أن الحراك الشعبي الأردني يملي "أجندات" خارجية يهدف الى زعزعة الاستقرار الأمني في الأردن (الأسطوانة المشروخة التي تفضلها كافة الجهات المطبّعة لتبرير خيانتها)، ندّد وزير الاتصالات الأردني بالحراك الشعبي، معتبرا أن خيار "السلام" مع كيان العدو هو خيار "استراتيجي"، فتلاه عدة تصريحات من جهات رسمية أردنية تطالب بوقف الحراك. ومنذ بداية الحرب، قامت القوات الأمنية الأردنية باعتقال المئات من المتظاهرين، في عمان ومدن أخرى، تلبية لرغبات الصهاينة وحلفاءهم الأجانب والعرب. 

يقول خالد الناطور وآخرون، أن الحراك أمام السفارة الصهيونية مستمر، لأنه يشكل ضغطا لوقف الحرب أولا، و"لأننا نعبّر عن وجدان الشعب الأردني وعن انحيازه بشكل مطلق الى الشعب الفلسطيني" و"لم يعد يكفينا الكلام" ثانيا، ولأن صدى الحراك الشعبي وصل الى العواصم الغربية والى كيان العدو، ما يشكل ضغطا إضافيا لوقف حرب الإبادة، ثالثا.

ان استمرار المقاومة الفلسطينية في التصدي لهذه الحرب الهمجية، لما يقارب 6 شهور، يفتح أفاقا سياسية جديدة في الدول العربية، وخاصة الدول المطبّعة، بسبب الفظائع التي يرتكبها العدو بحق الشعب الفلسطيني، والتي لم تعد أصحاب الضمائر الحية قادرة على تحمّلها. فكلما استمرت معركة طوفان الأقصى، كلما أحدثت تغييرات في المشهد العربي (ببركة دماء الشهداء)، بسبب الضغط الشعبي الملتف حول المقاومة ورفض حرب الإبادة.

هل سيتمكن هذا الضغط من إيقاف الحرب الصهيو-أميركية أم ستتفجر الأوضاع في داخل الدول العربية ؟ الحراك الشعبي الأردني يقف الآن في الواجهة. هل سيتمكن من تخليص نظامه من الضغوط العربية الخليجية والأميركية والصهيونية التي تضعف قراره للوقوف الى جانب شعبه ؟

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/203901

اقرأ أيضا