يحاول أعداء الأمة العربية والإسلامية استئصال فكرة المقاومة والثورة ضد الظلم والعدوان من مجتمعاتنا واستبدالهما بمنطق الاستسلام أمام القوة النارية والهمجية. وتشكّل حرب الإبادة الجماعية التي شنّها العدو الصهيوني وحلفاءه الغربيين ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، آخر تطوّر لهذه المحاولة، بعد أن تبيّن لهم أن المقاومة الفلسطينية التي نفذّت عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، وما زالت تخوض معاركها لحماية شعبها وأرضها ودينها ومقدساتها، على أرض غزة وسائر المناطق الفلسطينية، هي فكرة متجذّرة في الأمة وغير قابلة للمحو. فالأعداء مستعدون لحرب إبادة جماعية وارتكاب أفظع الجرائم بحق الإنسانية تطال شعب بأكمله لحامية كيان متوحّش وعنصري، ومنع انتشار فكرة المقاومة.
تنتقل فكرة المقاومة، والمقاومة كفعل من جيل الى جيل، لا سيما في فلسطين المحتلة، منذ أكثر من قرن من الزمن. لقد احتضنت مخيمات اللجوء، بعد إقامة الكيان الصهيوني على الجزء الأكبر من أرض فاسطين، المقاومين وفصائلهم. فكل جيل له مقاوميه وتنظيماته الثورية، وكل جيل يواجه بطريقته العدوان والاحتلال، يطوّر سلاحه ويواجه سلاح العدو، ويقف ضد المستسلمين والمتخابرين وفقا لما يراه مناسبا. ويجب الإشارة الى أن الفعل المقاوم انتشر الى كل أنحاء فلسطين المحتلة، ولم ينحصر في مخيمات اللجوء، أن كانت خارج أو داخل فلسطين، لكن أثبتت مخيمات اللجوء أنها الحاضنة الأولى للمقاومة، بسبب تاريخ تكوينها، ما يفسّر شراسة العدو ضد المخيمات وساكنيها، ومحاولاته لتدميرها وإزالتها.
لقد ارتقى العديد من الشهداء، عبر تاريخ المقاومة، من أهل المخيمات، كما اعتقل الآلاف منهم، على مرّ السنين. لقد ألّف عدد من هؤلاء كتبا تحكي عن المخيمات كبؤر ثورية، كرواية القائد القسامي يحيى السنوار التي تروي قصة عائلة في مخيم الشاطئ في قطاع غزة بعد الاحتلال عام 1967، ويتابع عبر هذه العائلة صعود المقاومة ومراحلها، والنقاشات بين الأخوة حول المرحلة ما بعد اتفاقيات أوسلو، وخاصة بين حركتي حماس وفتح.
وكتب محمد البيروتي، وهو أسير سابق، روايته "مليحة" حيث يروي فيها عن التحاقة بالمقاومة انطلاقا من مخيم الوحدات في الأردن، التي وصف بيئتها وطفولته فيها، قبل أن يدخل الى فلسطين المحتلة، كمقاوم ينتمي الى ما سمي ب"الدوريات"، ويتم اعتقاله وسجنه.
في كتابه "حكايتي مع المخيم"، يتناول الأسير البطل علي السعدي نشأة المجاهدين في مخيم جنين وبيئته الحاضنة للمقاومة. هو من كتب في المقدمة: "من يكن مهزوما من الداخل لا يمكن أن يحقق النصر حتى لو كان بين يديه". في حديثه عن المستسلمين أمام الهيمنة الصهيو-أميركية. وحول أبناء مخيم جباليا في قطاع غزة، أعدّ الصحفي الشهيد منير عبد الحي مرسي كتاب "عشاق الشهادة، كوكبة مضيئة من شهداء مخيم جباليا" (الكتابان من إصدار مؤسسة مهجة القدس، 2023 و2022، التي وضعتها الولايات المتحدة بعد 7 أكتوبر 2023 على لائحة "النور")، يدوّن فيه السيرة الذاتية لأكثر من خمسة وثلاثين شهيدا من محافظة شمال قطاع غزة، ومن خلال كل سيرة، يمكن التعرّف على البيئات الحاضنة للمقاومة التي تتالت على قطاع غزة منذ النكبة، وعلى حياة المخيمات التي تولّد المقاومين.
يأتي كتاب الأسير المجاهد فهد الصوالحي، "النذير.. الخروج الى الجهاد" الذي صدر في العام 2023 عن "مؤسسة مهجة القدس" ليروي بشكل مفصّل كيف يصبح اللاجئ في مخيم بلاطة، قرب نابلس، وغيره من مخيمات فلسطين، ثوريا ومقاوما شرسا، وشجاعا، يقاتل من أجل حرية شعبه وحماية وطنه ومقدساته.
ينتمي الأسير المجاهد فهد عبد الله محمد صوالحي الى الجيل الذي عايش طفلا انتفاضة الحجارة (بدايتها عام 1987) وشارك في انتفاضة الأقصى (2000- 2005)، قبل أن يتم اعتقاله في 14 شباط/فبراير 2003، مع رفيقه الأسير محمود كليبي (الطهبوب). حُكم عليه بالمؤبد 7 مرات بالإضافة الى 50 عاما، قضى منها 13 عاما في العزل، لانتمائه الى سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، ومسؤوليته عن تنفيذ العديد من العمليات الاستشهادية في الداخل المحتل عام 1948.
من مخيم بلاطة "منتصف الثمانينيات"، وهو "أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية" تبدآ السيرة الجهادية للطفل فهد الصوالحي، الذي يبحث عن "مكان للعب، وهذا العزيز المفقود في ظل حصار مضروب على الدوام على حارتنا" من قبل جنود الاحتلال. كان مدخل "حارتنا، حارة الجامع، مغلقا بشكل شبه دائم ببراميل حديدية.. تعيق الحركة من والى الحارة".
ينتقل الطفل فهد من المراقبة لصالح الشباب الذين يواجهون جنود العدو بالحجارة، حين يقتحمون المخيّم أو على أطرافه، الى المشاركة في تجميع الحجارة ومن ثم إلقائها على المحتلين: "إنها لعبة الموت التي استبدلها الاحتلال مني وممن هم بعمري حينها، بعدما فرض علينا أن لا لعب ولا مكان للعب". وفي سنه العاشرة، "كانت قناعتي بأن هذا العمر هو عمر البلوغ الثوري الذي قد يؤهل لاجئًا فلسطينيًا للعمل ضمن صفوف الثورة". ثم تبدأ "مرحلة الاكتشاف التي سبقت مرحلة المراهقة عندنا"، فيتسلل برفقة "مراد مرشود" الى معسكر حوارة للبحث عن الرصاصات من مخلفات جنود العدو ويستخرجان البارود من جوف الرصاصة. وبعد مدة قصيرة، يتم "إنجاز أولى الزجاجات الحارقة على يدي، والآن جاءت رحلة البحث عن فأر التجارب" أي الصهيوني، قبل أن يصنع أول مقلاع، ويختبر الاستطلاع ويخرج من المخيم الى المدينة، حيث المواجهات مستمرة مع العدو، ليشارك فيها بمقلاعه: "لقد بات من الضروري الآن اللحاق بكل دائرة مواجهة حيث ما تكون، فالاكتفاء بنقاط الاشتباك على أطراف المخيم لم يعد كافيًا بالنسبة لي، النفس تواقة للحاق بكل دائرة مواجهة ونقطة اشتباك". فتعرّف مبكرا على الاعتقال وعلى كيفية اكتشاف المستعربين الذين يندسون بين المتظاهرين.
بعد اتفاقيات أوسلو ومجزرة الحرم الابراهيمي، "كان نجم المهندس يحيى عياش يزداد بريقا"، فتوالت عمليات الأحزمة الناسفة التفجيرية التي كان ينفّذها المقاومون في الداخل الفلسطيني، كما نفّذ الصهاينة عمليات اغتيال المقاومين والقياديين، أهمهم الشهيد فتحي الشقاقي، الأمين العام المؤسس لحركة الجهاد الإسلامي، في يوم 16/10/1995.
بعد استلام السلطة لمدينة نابلس في يوم 10/12/1995، واصل الفتى فهد الصوالحي مواجهة المحتل، لا سيما المستوطنين الذين كانوا يدخلون الى "قبر يوسف"، تحت حراسة مشتركة لجيش الاحتلال والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة. يصنع ثلاثة زجاجات حارقة "بجودة جهنمية" وينجح بإلقائها على قافلة المستوطنين.
رحلة التعلّم والاكتشاف لا تنتهي عندالفتى الثائر: من المقلاع الى المولوتوف، والقنبلة الصوتية التي يجرّبها أول مرة في مقبرة المخيم، الى المسدس الذي استعمله أول مرّة خلال محاصرة الصهاينة في قبر يوسف، بداية انتفاضة الأقصى، وخلال هذه المواجهة، يلتقي بمن سيعلّمه صنع الأكواع، "على العجوري" الملقب ب"الضباي". فعلّمه صنع المتفجرات على سطح بيته في مخيم عسكر، ثم تفكيك القنابل اليدوية والقذائف التي يطلقها جيش العدو، وإنتاج رشاشات ميكانيكية من نوع الكارلو. فيما بعد، يتعلّم كيفية تركيب الخليوي بالعبوة الناسفة وإعداد عبوة ناسفة من أسطوانات غاز الطهي، بعد ان تذكّر ما تعلمه في معهد قلنديا حول الغاز. وانتقل مع علي بعد ذلك الى صناعة الصواريخ وقاذفات الRPG، ثم "دخل الحزام الناسف والحقيبة المفخخة خط إنتاجاتنا"، ثم مادة "أم العبد" "التي صنعت للمرة الأولى في مختبرنا". وبعد مدة قصيرة، بدأ بتعليم الشباب المجاهدين كيفية صنع كل هذه الأسلحة.
مع بداية انتفاضة الأقصى، كثُر الطلب على المتفجرات، التي كانا (فهد وعلي) يوزّعانها على المجموعات المسلحة في مناطق مختلفة في الضفة الغربية (طولكرم وجنين في البداية). لكن لم يكتف الثائر فهد الصوالحي بالتصنيع، فكان يشارك في الكمائن التي يضعها بعض من يستلم انتاجه، أو يقوم بوضعها مع علي، رغم مراقبة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، التي غالبا ما كانت تمنع العمليات الفدائية وتتصرف كأنها "لجنة دولية لحفظ السلام".
من الكمائن مع رفيقه علي، يتطوّر العمل الفدائي الذي ضم بعض الشباب، فيتمّ الإعلان عن "مجموعات النذير الاستشهادية" المستقلة عن الجماعات الأخرى، والتي ستكون مسؤولة عن تنفيذ 4 عمليات استشهادية في الداخل المحتل عام 1048، واحدة منها عملية مزدوجة.
عاش الثائر فهد الصوالحي أيام الانتفاضة بين اقتحامات المتكررة لمخيمي نابلس (بلاطة وعسكر) والمدينة وقلبها المدينة القديمة، ومعارك الدفاع عن الوجود الفلسطيني. منذ صغره وفترة إلقاء الحجارة، عايش ارتقاء الشهداء وسقوط الجرحى من معارفه وأصدقائه. فاستشهد علي العاجوري ومراد مرشود الذي أرسل أخيه علاء الى عملية استشهدائية باسم "النذير". عاش مطاردا حتى اعتقاله، كالعديد من أخوانه من مخيمات نابلس والبلدة القديمة. منذ الأشهر الأولى من الانتفاضة، يتنقل من نابلس الى طولكرم وجنين ورام الله: "كان الخطر يلازمنا في كل سكن وسكون، تنقلنا إلى جنين وطولكرم ورام الله عبر طرقٍ التفافية وعرة، كنا أحيانًا نسلك بعضًا منها على الدواب، وأحيانًا لا نلقى حتى الدواب فلا يكون الاتكال فيها إلا على أقدامنا".
واجه الأسير البطل فهد الصوالحي، خلال هذه الفترة المهمة من تاريخ الشعب الفلسطيني، البيئة المحبَطة والمحبِطة التي كانت تغذّيها السلطة الفلسطينية والأقلام المستسلمة، وخاصة بعد صعود العمليات الاستشهادية، التي كانت تتحدث عن "عسكرة الانتفاضة" وتحملّها مسؤولية الدمار والقتل والعدوان المستمر على الضفة الغربية، بدلا من النظر الى الطبيعة الإرهابية للكيان الصهيوني ومستوطنيه وداعميه. واليوم، بعد 6 شهور على حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها هذا الكيان مدعوما من الولايات المتحدة والعواصم الغربية، تخرج بين الحين والآخر أصوات مدعومة عربيا ودوليا تحمّل مسؤولية الدمار والمجازر للمقاومة، وكأنها لم تستوعب بعد ما هو المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة، وأنه مهما فعل الشعب الفلسطيني، إن استكان واستسلم أو ناضل وقاوم، فالمشروع الصهيو-أميركي في المنطقة يسعى الى استبدال فلسطين ب"إسرائيل" وتهجير الشعب الفلسطيني وتوطينه في دول العالم. والمقاومون هم فقط من يمكن إيقاف مشروعهم الجهنمي الاستئصالي.
فكان وعي الفتى الثائر يحثه على الجهاد: "أنا خرجت لأني وجدتُ في نفسي إنسانًا مؤمنًا بعدالة قضيته ومحفزًا بواجبٍ ديني تجاهها، أما الموت فلربما كان نتيجته ولكن لم يكن هدفًا، فهدفنا أن يعلم العدو أن استباحته لحقوقنا وأولها حقنا في الحياة سيرجعه لنفس الدائرة! قد لا نستطيع رد الحقوق لأهلها ونحن من أهلها، لكن يكفينا أننا أشعرنا متلصصي تلك الحقوق أن هناك من يجهد ويجاهد لانتزاعها منهم، وأنها في أيديهم لأجل سينقضي يومًا ما بيدنا أو بأيدٍ ستمتد وراءنا".
بعد استشهاد علي ومراد، تنتهي مسيرة "النذير" ويلتحق فهد بشكل طبيعي، في البلدة القديمة بنابلس، ب"حركة الجهاد الإسلامي" التي كان قد تعرّف على بعض قياديها، مثل الشهيد الشيخ أسعد دقة، والتي كان "الطهبوب" ومراد يتعاونان معها منذ زمن: "كان تأثير أفراد الجهاد الإسلامي عليّ يزداد يومًا بعد يوم، فقد لاحظت عليهم روحانيات ملائكية... الآن صرت مجاهدًا ولو كان علي معي لما تأخر للحظة هو الآخر في أن يكون بصف الجهاد الإسلامي رغم أنه من أشبال فتح وكتائب شهداء الأقصى، لكن علي كان يرى أنه ولد يتيماً لا يرى أمامه إلا جهاد العدو ومقاومته، وذاك ما كانت تعمل على تحقيقه الجهاد الإسلامي لحظة بلحظة دون أي التفات لهدنة ولا لحدٍ لها".
بعد اعتقاله ومحاكمته حيث توجّه الى المحكمة قائلا: "أنا بافتخر وباعتز بكل الذي قمت فيه، هذا شرفٌ وفخر لي، أنا أشعر بالخجل لأني أحاكم على عدد قليل من القتلى أمامكم!"، يفتح الأسير فهد بابا آخر للجهاد عندما يحاول الهرب، عن طريق نفق في سجن جلبوع، في العام 2014، مع الأسير مهند زيود. لكن اكتشفت إدارة سجن شطة نفقا في غرفة تابعة لأسرى الجهاد الإسلامي، واستنفرت سجون العدو، وتم اكتشاف النفق في سجن جلبوع يوم 3/8/2014، وكان "ما بقي علينا عمله هو حفر الأمتار الأخيرة!".
هذه سيرة مختصرة لبطل من أبطال المقاومة الفلسطينية. تكمن أهمية سيرته وكافة سير المقاومين والكلمات والتعاليم التي تركها لنا الشهداء في أنها توثّق تاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني من جهة، وكونها تمثّل من جهة أخرى الوجه الحقيقي والفعلي لقضية شعب مظلوم يجاهد من أجل حريته وكرامته، بعيدا عن اللقاءات والخطابات والمؤتمرات والمؤامرات التي كثيرا ما تجتاح الإعلام العربي والغربي، وكأنها تصنع التاريخ. لكن هؤلاء الأبطال هم من يصنعوه.