/مقالات/ عرض الخبر

ميناء غزّة الأميركيّ "الإسرائيليّ".. أيّ دورٍ ولأيّ هدف؟

2024/03/20 الساعة 11:35 ص
1000 جندي أمريكي لإنشاء الميناء العائم
1000 جندي أمريكي لإنشاء الميناء العائم

هبة دهيني – وكالة القدس للأنباء

مِن جهةٍ تحوّلُ الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّة غزّة إلى أرض فلاةٍ لا مكانَ للإناخةِ فيها، إثر الضّربات المستمرّة لآلة الحرب "الإسرائيليّة" المدعومة غربيًّا بشكلٍ جليّ، وتُغلق المعابرَ وسبلَ إدخال المساعدات الإنسانيّة، ومن جهةٍ أخرى يختبئ البيتُ الأبيضُ تحتَ قناعٍ دراميٍّ، لِينتضح من تُهمته، فيبني بذلك ميناءً مؤقّتًا كي يكونَ البحرُ طريقًا إلى القطاع، يعني ببساطة، تُلقي أمريكا غزّة في اليمّ ثمّ تبعثُ لها بطوقِ نجاةٍ مثقوب.

هذا في وقتٍ، أصدر الرّئيس الأميركيّ جو بايدن قرارًا للجيش الأميركي ببناء ميناء مؤقّت أمام سواحل غزة في البحر الأبيض المتوسط، ما يسمح بدخول المزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر البحر، إجراءٌ أشبه بتبييضِ صورةِ واشنطن الّتي شطّت في تقويض القطاعِ عبرَ ضلوعها في التّصويت على استمراريّة الحرب ورفضِ إيقافها، مع التّمويل غير المتناهي لجيش الاحتلال "الإسرائيليّ"، متمسّكةً بالفيتو كي تبقى الإبادةُ مفروضةً على القطاع، ففي مُعجمِ أمريكا الدّمويِّ معانٍ واهية شجبتها المقاومة، إذ لا يمكنُ لفعلٍ استعراضيٍّ أن يُخفِيَ "حمّام الدّمّ" الصّهيو-أميركيّ منذُ أكثر من مئةٍ وستّينَ يومًا.

لا يُخفى على أحدٍ أنّ العمل على الميناءِ تعاونيُّ مع "إسرائيل"، ووفقَ التّعبير الغربيّ، فإنّ الميناء قادرٌ على استيعاب السّفن الكبيرة التي تحمل الغذاء والماء والإمدادات الطبية وخيام المأوى المؤقتة، وسيتمّ تشغيله من قبل الجيش الأميركيّ في البداية، مع حرصٍ كبيرٍ على عدم انخراطِ موادّ مساهمة في صنع الأسلحة ضمنَ المساعدات.

 أمّا عن البنتاغون فقد أعلنَ أنّ إنشاء الرصيف البحري أمام قطاع غزة سيستغرق عدة أسابيع قد تصل إلى نحو 60 يومًا، بالإضافة إلى انخراط ألف جندي في العمل في البحر وليس على أرض غزة، باعتبار أنّ الرّصيف سيوصل نحو مليونيّ وجبة يوميًّا إلى غزّة.

من هنا، يبدو جليًّا التفافُ أمريكا حول نفسها بالتّجاهل العمديّ للطّرق البرّيّة المُتاحة لإرسال المساعدات، إذ لا طريقةَ تتساوى مع فعاليّةِ النّقل البرّيّ، الّتي تحولُ آلة الحرب "الإسرائيليّة" دونَ نجاحها، إذ تعتمدُ أسلوب قصف الشّاحناتِ وتهديد أيّ وصولٍ برّيّ لها، ويظلّ وجه الانحياز الأميركيّ مرميًّا في الحضن "الإسرائيليّ"، داعمًا لما تطلق عليه واشنطن "الأعمال العسكريّة الإسرائيليّةَ المشروعة"، ومن ثمّ تتذرّع بعدم قدرتها على إيقاف بحر الدّم اللامتناهي، وكأنّ تسليح الجنود "الإسرائيليين" بعيدٌ عن الدّعم الأميركيّ.

وفي السّياق، لا يريدُ بايدن خسارة الانتخابات الأميركيّة، فيفضّل الظّهور بالمظهر الإنسانيّ المُتفاني، إذ باعتبار حكومة هذا الأخير، لا ضَيرَ في "قتل القتيل والمشي بجنازته" على حسابِ اتّخاذ بعض الإجراءات "الإنسانيّة" لتغيير النّظرة العالميّة تُجاهَ "إسرائيل" ومموّليها، ولكسبِ أصوات النّاخبين، فلم يَعُد للإعلام الأميركيّ مُحتوًى سوى ذاك الرّصيفُ العائمُ على بحرِ غزّة، إذ تنسجمُ بذاكَ الخطاباتُ الإعلاميّة مع "حرص" مسؤولي الإدارة الأميركيّة على المجاعة المحدقة بأهالي القطاع، معبّرين عن هذه "المبادرة" بالقول "هذا أفضل خيار للبيت الأبيض"، كما تمّ الحديث في صحيفة نيويورك تايمز بأنّ "مشروع الرّصيف هو الأحدث في سلسلة الجهود الرّامية إلى إيصال المزيد من المساعدات إلى القطاع، بما في ذلك عن طريق البحر، وسط تحذيراتٍ من الأمم المتّحدة من أنّ المجاعة في غزّة وشيكة"، وفي السّياق أفادت رويترز أنّ "الولايات المتّحدة وحلفاءها يتطلّعون إلى خيار بحريّ تجاريّ لمساعدة غزّة".

وكتأكيدٍ على عمليّة الإلهاء المتعمّدة من قبلِ الولايات المتّحدة الأميركيّة عن الإبادةِ الصّارخةِ في قطاعِ غزّة، أكّدت منظّمة أطبّاء بلا حدود أنّ الخطّة ما هي إلّا "إلهاء عن المشكلة الحقيقيّة، وهي الحملة العسكرية "الإسرائيلية" العشوائية وغير المتناسبة والحصار العقابيّ"، كما أنّ الكيان المحتلّ "يحتاج إلى تسهيل تدفّق الإمدادات بدلًا من منعها"، باعتبار أنّها ليست مشكلةً لوجستيّة، بل مشكلة سياسيّة، فبدلًا من التطلع إلى المؤسسة العسكرية الأميركية لإيجاد حلّ بديل، يتعيّن على الولايات المتّحدة الإصرار على السّماح بوصول المساعدات الإنسانيّة بشكل فوريّ باستخدام الطّرق الموجودة بالفعل.

إذًا، حلولٌ لوجستيّةٌ لمشكلةٍ سياسيّةٍ واضحة، ومحاولاتٌ واهيةٌ لجلّادٍ يقودُ حربًا متراميةَ الأطراف بيد، ويسعى لإظهار صورةٍ عكسيّةٍ بيدٍ أخرى، مُحاولًا بذلك أن ينفي جذور القضيّةِ وجدوى المقاومة، وأن يطمس حلّ الوقف الكامل لإطلاق النّار، بل ويمدّد وقتَ الحرب أكثر، في ظلّ استشهاد أكثر من ثلاثينَ ألفَ فلسطينيٍّ في القطاع، عدا عن الجرحى والمفقودين، وأولئكَ الّذين تتآكلُ أجسادَهُمُ المَجاعة، لأنّ أمريكا أمسكت بيد "إسرائيل" كي تقتلَ الغزّاويّين، ثمّ أمسكت بيد الأخيرةِ مجدّدًا، كي "تتمنّنَ" عليهم بميناء مؤقّت!

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/203433

اقرأ أيضا