كانت العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية"، ولا تزال، ركنا أساسيا في الاستراتيجية السياسية "الإسرائيلية". ويكثر الحديث هذه الأيام عن خلافات تعصف بهذه العلاقة في ظل سلوك نتنياهو وحلفائه خصوصاً من اليمين المتطرف أمثال سموتريتش وبن جفير. وإذا كانت هذه العلاقات تستند إلى ما يسمونه ب"القيم المشتركة" أو المصالح الاستراتيجية للدولتين، فإن من الواضح أنها أيضا استندت إلى نفوذ صهيوني قوي في أمريكا كان من أبرز عناصره، إيباك، أو اللوبي الصهيوني. ورغم أن هذا اللوبي استند إلى نفوذ يهودي فإنه تعزز عبر متطرفين مسيحيين رأوا في "إسرائيل" ووجودها تقريبا ليوم الخلاص الأبدي وعودة المسيح. ويبدو أنه في ظل تفاقم الخلافات بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو نشأت "أزمة هوية" في اللوبي الصهيوني خصوصا بعد خروج أهم شخصية يهودية في دوائر الحكم الأمريكي، تشاك شومر، علنا ضد الحكومة "الإسرائيلية."
تروي الصحافة الأمريكية عن أن جو بايدن اشتهر في عهد الرئيس ريغان بأنه كان بين الأصوات الأقوى ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وأذهل الجميع قبل 38 عاما، في جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ عام 1986 وكان الموضوع هو نظام الفصل العنصري. وقال بايدن لوزير الخارجية جورج شولتز في الجلسة: "بالنسبة لي، أشعر بالاشمئزاز من ضبط النفس الذي يمارسه الأسقف توتو. فالناس يتعرضون للهجوم والسجن والقتل والضرب". ورد على إعلان شولتز بأن على السود في جنوب أفريقيا أن "يتجنبوا الانزلاق بسهولة إلى العنف والإرهاب والتطرف، وأن يظهروا في أفعالهم أنهم يفهمون الحاجة إلى التسوية". فقال بايدن: "يا للجحيم، لقد كانوا يحاولون التوصل إلى تسوية لمدة 20 عاما. لقد جربوا كل شيء. وانظروا ماذا حدث لهم. لقد تم دهسهم." واحتج وزير الخارجية. وقال إن الموقف الأمريكي واضح ضد الفصل العنصري، واشتكى من أن بايدن يحرف كلماته: "اسمح لي أن أقول إنني مندهش عندما سمعت سيناتورًا أمريكيًا يدعو إلى العنف".
بايدن: "أنا لا أدعو إلى العنف".
شولتز: "هذا ما تفعله. هذا بالضبط ما تفعله بنشاط."
أجاب بايدن: "أشعر بالخجل من بلدنا، الذي يقدم سياسة مثل هذه، التي لا تعني شيئا. لا شيء. إنها تقول، دعونا نواصل العار" [...] أشعر بالخجل من أن هذه هي سياستنا. أنا أشعر بالخجل من ذلك. أشعر بالخجل من أن هذه السياسة تفتقر إلى الأساس الأخلاقي".
ويعتقد كثيرون أن بايدن الذي كثيرا ما تفاخر بأنه صهيوني ومحب لإسرائيل اكتشف العالم من جديد في الحرب الوحشية "الإسرائيلية" على غزة. وأن هذه الحرب فتحت عينيه على أوجه الشبه بين "إسرائيل" وجنوب أفريقيا العنصرية. ويتساءل هؤلاء عما إذا كانت ذكرى هذه المواجهة قد خطرت في ذهن بايدن عندما سمع المتظاهرين المناهضين لإسرائيل في الولايات المتحدة يطلقون عليه لقب "جو رجل الإبادة الجماعية"، ويطالبونه بوقف المساعدات العسكرية "لإسرائيل" على الفور.
وربما أن هذه المشاهد هي ما دفعته لانتقاد أداء إسرائيل العسكري واستهدافها للمدنيين الفلسطينيين رغم دفاعه الشرس عن هذا الأداء طوال شهور الحرب الأولى. ووصل به الأمر إلى الصدام اللطيف مع نتنياهو ثم إلى تأييد خطاب زعيم الأغلبية الديمقراطية، تشاك شومر، ضد حكومة نتنياهو ومطالبته بإجراء انتخابات جديدة. والواقع أن كلام شومر أحدث صدمة ليس فقط في "إسرائيل" وإنما أيضا في صفوف المنظمات اليهودية والصهيونية في أمريكا وفي مقدمتها منظمة إيباك كبرى المنظمات الداعمة تاريخيا لإسرائيل في أمريكا.
وتتحدث الأوساط الصهيونية الأمريكية عما تعتبره "أزمة هوية" داخل إيباك بعد خطاب شومر الذي اعتبر دعوة للإطاحة بنتنياهو. وفي ضوء ماضي شومر، فإن خطاب المسؤول الديمقراطي الكبير يوم الخميس - والذي دعا فيه إلى استبدال نتنياهو - صدم بشدة المؤسسة السياسية المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة. وفي الإعلان الرسمي، ردت "إيباك" بحذر وفتور، ودون الإشارة إلى اسم شومر. وقالت "إيباك" إن "إسرائيل دولة ديمقراطية، تقرر مصير قادتها من خلال الانتخابات".
شومر هو واحد من أكبر أصدقاء أيباك في السياسة الأمريكية. في الأسبوع الماضي فقط تحدث في مؤتمر إيباك - إلى جانب أعضاء كبار آخرين في الكونجرس من كلا الحزبين - وتلقى تصفيقا مدويا عندما قال: "طالما أن حماس موجودة، فلن يكون هناك أبدا حل الدولتين". وفي نهاية الأسبوع، قال شومر لـ"بوليتيكو" إن "العلاقة طويلة الأمد مع إيباك تتجاوز أي رئيس أو رئيس وزراء. إننا جميعا نتشاطر الحب العميق لإسرائيل، والهدف المشترك المتمثل في الحفاظ على دعم الحزبين لها. سنواصل العمل معًا لتعزيز العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل".
وقال مساعد سابق لشومر بعد خطابه إن كلامه كان موجها أكثر للحزب الديمقراطي: "إنهم يدركون أن شومر لديه مشكلة مع الجناح اليساري في الحزب، تماما كما لدى اللوبي الإسرائيلي مشكلة مع هذا الجناح". قد يكون هذا صحيحاً، ولكنه لا يقلل من حجم الدهشة التي ينطوي عليها خطاب شومر، ولا يبرز إلا مشكلة أيباك المتنامية مع الحزب الديمقراطي، حتى بما يتجاوز جناحه اليساري المتطرف. إن الصور التي تأتي من الحرب في غزة تجعل ايباك تشعر على نحو متزايد بالقلق. من الصعب على الساسة من قلب التيار الديمقراطي السائد، وهو ما أدى بالفعل الشهر الماضي إلى تغيير ملحوظ في لهجة البيت الأبيض - والآن أيضًا من قمة مجلس الشيوخ.
وفي كلتا الحالتين، تظل أيباك واحدة من أقوى مجموعات الضغط في واشنطن، وبعض أكبر المانحين لها هم من الجمهوريين، مثل مدير صندوق الاستثمار بول سينجر ومؤسس واتساب جان كوم. وتخطط المنظمة لاستثمار 100 مليون دولار هذا العام للمساعدة في انتخاب مؤيدين. - مرشحي إسرائيل، واسقاط أعضاء الكونجرس التقدميين الذين يعتقد أنهم معادون لإسرائيل. وتشمل قائمة الأهداف، من بين آخرين، جمال بومان من نيويورك وكوري بوش من ميسوري. وفي الأسبوع الماضي، ديف مين، وهو ديمقراطي من كاليفورنيا، فاز في الانتخابات التمهيدية - على الرغم من استثمار أيباك 4.7 مليون دولار في حملة ضده.
على الرغم من القوة المالية الهائلة، فإن هذا ليس وقتا سهلا بالنسبة لأيباك، فالمساعدة المخصصة لإسرائيل عالقة في الكونجرس، حيث تتضمن مساعدة لأوكرانيا، ويعارض العديد من الجمهوريين الذين يعتبرون حلفاء لأيباك، بناء على طلب دونالد ترامب. التصويت لصالح المساعدة لأوكرانيا - وهو ما يمنع المساعدات عن إسرائيل أيضًا، وفي الوقت نفسه لا تستطيع "إيباك" حل المشكلة. وقال مارتن إنديك، الذي كان سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل في عهد الرئيس بيل كلينتون، لصحيفة التايمز: "أعتقد أن أيباك تعاني من أزمة هوية إلى حد ما. إنها مقنعة بقدرتها الهائلة على جمع الأموال، لكن حياتها أصبحت صعبة للغاية."
ومن الجائز أن ما تعيشه إيباك اليوم في ظل تنامي قوة منظمة جي ستريت اليهودية التقدمية وتعاظم الخلاف بين اليهود الأرثوذكس، وهم الأغلبية في إسرائيل، واليهود الإصلاحيين والمحافظين، وهم الأغلبية في أمريكا ينذر بخطر شديد. فبين أهم القوى التي ساندت الفلسطينيين وطالبت بوقف الحرب فورا وقادت تظاهرات صاخبة وخصوصا في نيويورك كانت جماعات السلام اليهودية. وهذا ما أضاء الكثير من المصابيح الحمراء في إسرائيل وفي الأوساط اليهودية اليمينية في أمريكا.
وسرعان ما انتقل السجال إلى إسرائيل التي تبارى سياسيون فيها في الرد على شومر وعلى الانتقادات الرسمية الأمريكية مستخدمين عبارات من نوع أن إسرائيل "ليست محمية" وليست "جمهورية موز" وأوصاف من هذا القبيل. لكن الدكتور تشيك فريليتش، وهو نائب سابق لرئيس جهاز الأمن القومي، وباحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي، يقول صراحة أن على الإسرائيليين فهم أنهم "محمية" أمريكية.
وقد تساءل في مقالة كتبها: "هل تستطيع إسرائيل أن تستمر في الوجود اليوم من دون الولايات المتحدة؟ ربما تكون الإجابة بالنفي. فالاعتماد على الولايات المتحدة أمر وجودي، وليس أقل من ذلك. وللتقليل من ذلك، فهو وجود مختلف، وأقل أمانًا وأكثر فقرًا بكثير. لا أحد في البلاد يريده". ويضيف "يعترف كثيرون بـ«العلاقة الخاصة» مع المساعدات الأميركية التي تصل إلى 3.8 مليار دولار سنوياً. وفي نهاية حزمة المساعدات العشرية الحالية عام 2028، ستصل إلى مبلغ وهمي يبلغ نحو 170 مليار دولار... لا يوجد أي بلد غير الولايات المتحدة على استعداد لتزويد "إسرائيل" بالأسلحة بالكميات والصفات المطلوبة، حتى لو دفعنا الثمن نقداً. وفي غياب المؤسسة العسكرية الأميركية فإن قوات الدفاع "الإسرائيلية" سوف تظل بمثابة سفينة فارغة، حتى ولو كان جنودها متحفزين".
ورأى أن الحرب في غزة أظهرت أن "إسرائيل" ليست بحاجة فقط للمال أو الدعم في مجلس الأمن إذ اضطرت "الولايات المتحدة إلى إرسال حاملتي طائرات لردع إيران وحزب الله وتجنيب إسرائيل صراعاً متعدد الجوانب، والذي كان من الممكن أن يتصاعد إلى حرب إقليمية. وكل هذا فضلا عن مساعدة أمريكا لإسرئيل في تطوير منظومات تسليحية كالقبة الحديدية ومنظومات الدفاع الجوي الأخرى وربطها بمنظومة الرادارات الأمريكية المرتبطة بالأقمار الصناعية. وعلاوة على ذلك هناك التعاون الاستخباري ومخازن السلاح الأمريكية في إسرائيل ودمجها في القيادة الوسطى الأمريكية ما فتح الباب أمامها للتعاون عسكريا حتى مع جيوش عربية.
وخلص فريليش إلى أن الجو تغير تماما بعد الدعم المطلق لإسرائيل في بداية الحرب. وحتى الرئيس نفسه بدأ ينفد صبره ويعبر عن إحباطه وغضبه المتزايدين. يمكن حتى لنتنياهو أن يصرخ بأن "إسرائيل" ليست محمية للولايات المتحدة، لكن الواقع مختلف، فأمام نتنياهو أيام أو أسابيع لمنع حدوث ضرر لا يمكن إصلاحه