أحمد العبد
انهالت، خلال الساعات الماضية، بيانات الإدانة الدولية والإقليمية والعربية، لقرار حكومة الاحتلال المصادقة على بناء مزيد من الوحدات الاستيطانية في 3 مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. إلا أن هذه البيانات، التي لا تزال مجرد حبر على ورق، تظلّ أضعف من أن تزعج "إسرائيل"، أو تحملها على تغيير سلوكها، بعدما ارتكبت الأخيرة إبادة جماعية صريحة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، بمشاركة بعض دول العالم، وسكوت أخرى.
وفي وقت تدأب فيه الولايات المتحدة على محاولة بثّ الحياة، لفظياً، في مسار «حل الدولتين وضرورة إقامة دولة فلسطينية»، يأتي الردّ من "إسرائيل" بمزيد من التغول الاستيطاني، الذي تجلّت آخر وجوهه في مصادقة «مجلس التخطيط الأعلى في الإدارة المدنية» للاحتلال، الأربعاء، على بناء حوالى 3500 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات «معاليه أدوميم» و«أفرات» و«كيدار»، بدعوى الردّ على عملية إطلاق النار عند حاجز الزعيم شرق القدس المحتلة قبل أسبوعين، والتي قُتل فيها مستوطن.
والواقع أن حكومة الثلاثي: بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وضعت، منذ صعودها، الاستيطان على رأس أجندتها، في حين تلكّأ ما يسمى «المجتمع الدولي» في مناهضة هذه السياسة التي يراها «غير قانونية»، محجماً عن أي إدانة للاستيطان في مجلس الأمن.
ولعلّ هذا هو ما شجّع سموتريتش، خلال سنة من تعيينه وزيراً في وزارة الأمن ومسؤولاً عن الاستيطان، على المصادقة على بناء 18,515 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة العربية، في ما يمثل أكبر عدد من الوحدات التي جرت المصادقة عليها خلال سنة واحدة.
وفي أعقاب قرار الأربعاء، قال سموتريتش: «نفذنا أموراً كبيرة من أجل الاستيطان هذه السنة، وهذه بداية جيدة. وفي موازاة مصادقتي على وحدات سكنية، سوف ندفع بتسوية (أي شرعنة) الاستيطان الشبابي (أي البؤر الاستيطانية العشوائية)، عبر مسح الأراضي وإصدار مراسيم بشأنها، ونشر عناصر أمنية وفتح شوارع في "يهودا والسامرة" (الفة الغربية المحتلة) بحجم غير مسبوق».
وأضاف أن «أعداءنا يسعون إلى استهدافنا وإضعاف سيطرتنا في البلاد، ورسالتنا هي العكس تماماً. وستستمرّ دولة "إسرائيل" في النمو والتطور في جميع أنحائها، والاستيطان سيزداد ويزدهر. والجميع بات يدرك اليوم أنه حيث يتواجد الاستيطان يوجد أمن، وحيث لا يوجد، توجد وحوش إرهابية تهدد دولة إسرائيل كلها». وتابع أن الاستيطان في الضفة يمثل «حزاماً أمنياً لدولة إسرائيل، ودرعاً لها».
وإلى جانب الضفة، تضع "إسرائيل" القدس في سلم أولويات الاستيطان، وتسعى بكل الطرق إلى التوسع فيها عبر مشاريع ضخمة، والتغلغل في أحيائها الفلسطينية من طريق الاستيلاء على بعض المنازل والمباني. أما الضفة، فتُعدّ بكلها هدفاً إستراتيجياً للاستيطان، وإن كان التركيز فيها ينصبّ على المناطق المصنفة «ج»، كون الأخيرة تشكل 60% من مساحتها، ومعظمها أراضٍ زراعية خصبة وذات موارد وفيرة، وبالتالي فهي تحوز أهمية اقتصادية كبيرة، بما فيها منطقة الأغوار التي وصل عدد المستوطنات فيها إلى 38 مستوطنة منذ عام 1967، معظمها زراعية، ولا تضم إلا عدداً قليلاً من المستوطنين. وتُظهر معطيات «دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية»، بحسب دراسة جديدة أجراها ثلاثة باحثين في جامعة «رايخمان»، ونشروا ملخّصها في صحيفة «هآرتس»، أول من أمس، أنّ عدد المستوطنين في الضفة كان 311,300 في عام 2010، وارتفع إلى 491,548 في عام 2023، أي بزيادة نسبتها 58%. وخلال ولاية حكومة نتنياهو الحالية، ارتفع عدد هؤلاء بـ13,345 مستوطناً في السنة الفائتة، أي بما يقلّ بـ4% عن المعدل السنوي.
كذلك، تُظهر الدراسة أن عدد الفلسطينيين في المناطق «ج» ارتفع من 77,220 نسمة في عام 2010، إلى 354 ألف نسمة العام الماضي، أي بزيادة نسبتها 504%، في حين تراجعت نسبة المستوطنين هناك من 81.6% في 2010، إلى 58.1% في 2023. وتعزو هذا الانخفاض إلى تراجع نسبة النمو الطبيعي لدى المستوطنين عموماً في الضفة، من 5% إلى 2.7% في المدة المذكورة نفسها. كما تراجع ميزان الهجرة إلى المناطق «ج» من 4160 يهودياً في 2010، إلى بضع مئات في السنوات الأربع الأخيرة. وفي 2020، كان ميزان الهجرة سلبياً، أي إنّ عدد المستوطنين الذين غادروا «ج»، كان أعلى من عدد الذين انتقلوا إليها. وفي المقابل، سجّل الجانب الفلسطيني تحولاً معاكساً، بانتقال عدد كبير من «أ» و«ب» إلى «ج».
