أسماء بزيع – وكالة القدس للأنباء
بعد تصاعد القصف الهمجي من قبل العدو الصهيوني على المدنيين في قطاع غزة وتوغل قواته في المناطق المختلفة داخل القطاع، بدأت حملة إعلامية من المنابر المعروفة والتي تعمل على نشر اليأس والإحباط والتشكيك في المقاومة ومحورها، على التركيز على المشهد بعد غزة والمقاومة، عنوانه: "إقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل"، تمثل الحل الذي بدأ الترويج له من قبل العديد من الدول الأوروبية. الى جانب الإدارة الأمريكية، التي تروج له كوسيلة وحيدة لـ"إنهاء الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين".
يُشير التاريخ إلى أن مشروع حل الدولتين، الذي يُعرف منذ عقود، قد طُرح لأول مرة في عام 1937 تحت عنوان "مشروع لجنة بيل"، وذلك في سياق محاولة لإنهاء ثورة 1936 في فلسطين. تضمن هذا المشروع تقسيم فلسطين وشرق الأردن إلى "دولتين يهودية وعربية"، مع تدويل القدس. وبعد ذلك، جاء قرار التقسيم رقم 181 عام 1947 الذي أكد فكرة الدولتين لفلسطين فقط. واستمر النزاع بين القيادة الفلسطينية والأردن وتحالفاتها في الفترة التالية، وقد طُرحت فكرة الكيان الفلسطيني في مؤتمرات ومحافل عدة خلال الستينيات والسبعينيات، مما يظهر استمرارية هذا المفهوم عبر التاريخ.
منذ صياغة اتفاقية أوسلو الأولى، أصبح واضحًا أن غزة تحمل أهمية كبيرة كمركز للمقاومة العسكرية بدلاً من محطة سياسية، نظرًا لعدة عوامل، منها أهمية الضفة الغربية في الرؤية الصهيونية، فلم تعد غزة مجرد منطقة يمكن أن تحكمها بسهولة، بل أصبحت قلعة مقاومة مسلحة تحتاج "إسرائيل" إلى جهود كبيرة للسيطرة عليها، مما يدل على استراتيجيات عسكرية أميركية - صهيونية تسعى لتحطيمها. ولهذا السبب، تسعى بعض الأطراف الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، إلى تسليم غزة سياسيًا لفلسطينيين يتولون السيطرة عليها، وذلك برعاية من القوى العربية والدولية؛ كما يتمثل خطر "الترانسفير" من غزة إلى سيناء في السيطرة على المنطقة واستمرار الاحتلال في الضفة الغربية وإنشاء المستوطنات فيها.
تقديرًا للوضع الصعب في الضفة الغربية المحتلة، تشير جريدة "الغد" الأردنية إلى وجود نحو 730 ألف مستوطن، وأكثر من 350 مستوطنة في الضفة، مما يشكل 42% من مساحتها، بالإضافة إلى السيطرة الصهيونية على مناطق مهمة مثل (ج) و(ب) وفق اتفاقية أوسلو، وتمثل هذه المناطق ما نسبته 80% من الموارد المختلفة بما في ذلك المياه. كما يُعرض لاستبدال العمالة الفلسطينية في الأراضي المحتلة 1948 بعمالة هندية، مما يظهر استمرار الاحتلال بأشكال متعددة والتهديد المحتمل للضفة بالترانسفير نحو الأردن. وتشير التقارير أيضًا إلى وجود مشاريع أميركية لتعزيز الأردن، بما في ذلك البرامج التي تم الإعلان عنها خلال العدوان على غزة، مما يعزز القلق بشأن الوضع في المنطقة.
تتوقع التحليلات السياسية انطلاقاً من تشبث العدو بالاحتلال السياسي والعسكري للضفة مقابل محاولات لتأليف طرف فلسطيني سياسي في غزة من جماعات التسوية، ومن هذا المنطلق، يُرجح وجود السيناريو التالي في العقل الصهيوني الأميركي، (سيناريو وليس قدراً وخاصة مع هذا التحول الكبير في قدرة المقاومة وبسالتها) الذي يشمل تسليم المعسكر الأميركي– الصهيوني وأعوانه بصعوبة محاولة كسر محور المقاومة في غزة. والذي يعتمد على افتراضات متعددة حول مستقبل المقاومة في القطاع، مثل تسليمها بصعوبة دورها السياسي مع استمرار وجودها بدون سلاح، أو مشاركتها السياسية بمزيد من التقييدات على استخدام السلاح؛ مثل المقاومات في أيرلندا الشمالية وكولومبيا. وذلك تحت عنوان: دولة فلسطينية شكلية (منزوعة السلاح) تربط الضفة بغزة، ويُعاد الاعتبار لشعار غزة-أريحا أولاً، مع إضافة مطار وميناء بإشراف عربي-دولي من جماعات التسوية.
في ما يخص الضفة الغربية، يعد إعادة إنتاج شكل من التقاسم الوظيفي رابطًا بينها وغزّة في إطار دولة شكلية، يوسّع علاقتها مع الأردن كمقدمة لإنتاج حالة كونفدرالية في ظروف ملائمة، ومن المنتظر أن يكون ترانسفير السكان من الضفة إلى الأردن جزءًا أساسيًا من استراتيجية العدو. لكن هذا الترانسفير سيكون معقدًا ومتنوعًا، ولن يكون الجانب القسري الناعم أقل خطراً من الجانب القسري الخشن. فالعدو لن يخفف قبضته الإجرامية على الضفة بغض النظر عن الأساليب التي يستخدمها، لكنه سيراهن على بيئة اقتصادية مغذاة بأموال من الخليج والولايات المتحدة في الأردن، مقابل التضييق على الوضع الاقتصادي في الضفة. وثمة ملاحظة مهمة، وهي أن توطين الفلسطينيين في الأردن أو إنشاء بيئة لهذا التوطين، لا يعني بالضرورة توطينًا سياسيًا. ففي الرؤية الصهيونية-الأميركية، التوطين ينبغي أن يكون استنادًا إلى اعتبارات سياسية، وعلى افتراض أن المنطقة بأكملها بين البحر والصحراء هي أرض يهودية يعيش عليها سكان عرب، سواء كانوا أردنيين أو فلسطينيين.
يبقى "حل الدولتين" موضوعًا مثار جدل وتساؤل في ظل استمرار العدوان "الإسرائيلي" في المنطقة. ورغم تأييد العديد من الأطراف لهذا الحل كوسيلة لـ"إنهاء الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي" وتحقيق السلام الموهوم"، إلا أن تنفيذه يواجه العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك استمرار بناء المستوطنات "الإسرائيلية" وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين. علاوة على ذلك، فإن تحقيق توافق شامل بين الجانبين على شروط وآليات تطبيق حل الدولتين يبدو مستبعدًا في الوقت الحالي، نظرًا لاستمرار الانقسامات السياسية والثقافية والدينية، وتعقيدات الوضع الجيوسياسي في المنطقة.
ومع تراجع مكانة السلطة الفلسطينية وتوسع الاستيطان "الإسرائيلي" في الضفة الغربية، يواجه مشروع "حل الدولتين" تحديات كبيرة من جميع الجهات المعنية، فيبقى سيناريو "مجرد كلام فارغ لا قيمة له ومحفوفًا بالمخاطر والصعوبات؛ كما تعتبر التصريحات المتعلقة به بدون مؤشرات على أرض الواقع، حتى إذا صُوِّرت بعضها على أنها مهمة"، وهذا ما كتبه الكاتب العراقي مثنى عبدالله، الأستاذ في العلاقات الدولية في مقاله: "حل الدولتين حقيقة أم محض خيال؟" على "القدس العربي". وقدّم مثالًا تصريحات وزير الخارجية البريطاني بأن حان وقت الأفعال والاعتراف بالدولة الفلسطينية وانضمامها إلى الأمم المتحدة، معتبرًا أنها تظل مجرد أقوال بدون أفعال فعلية. وأضاف مثنى عبدالله أنّه لا يوجد تغيير عميق في السياسة الخارجية لحكومة ريشي سوناك تجاه الشأن الفلسطيني. مؤكدًا بـ"نعم يوجد تغيير طفيف في الخطاب السياسي، لغة جديدة، لغة إنشائية عن حل الدولتين، لكنها لن توصل إلى شيء. في نهاية المطاف السياسة الخارجية البريطانية تتبع الولايات المتحدة"
في حين أن الإدارة الأمريكية لا تبدي جدارتها في تحقيق ما تدعيه، وتثبت الأحداث ذلك بوضوح. فقد أفشلت إقرار مشاريع لوقف إطلاق النار، بالمقابل وافقت على صفقة سلاح ضخمة لـ"إسرائيل"، رغم عرقلتها في البداية من قبل مجلس الشيوخ. وهذه التطورات تثير شكوكًا حول جدية الإدارة في دعم "حل الدولتين". وبالتالي فكيف يمكن الذهاب بكل هذه الوقائع إلى عملية سلام وحل يفضي إلى حل الدولتين في وقت تعلن فيه جكومة نتنياهو بكل أطيافها ومكوناتها رفضها المطلق لاقامة دولة فلسطينية، وبالتالي رفضها التام لحل الدولتين؟
لقد أكد الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة، قبل "طوفان الأقصى" وبعدها، أن أرض فلسطين من النهر الى البحر ومن الناقورة الى ام الرشراش، خالصة للشعب الفلسطيني ولا تقبل القسمة "حل الدولتين" وان المقاومة كل أشكالها وفي المقدمة منها المقاومة المسلحة، هي الطريق لتحرير كل فلسطين واستعادة الحقوق، وأولها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى بيوتهم وأملاكهم بكل عزة وكرامة.
