في معركة "طوفان الأقصى"، أظهرت فلسطين قوة التصدي للاحتلال، ورغم الخذلان العربي، تبوأت غزّة موقعًا بارزًا في قلب المقاومة. فبعد مرور مائة وأربعة عشر يومًا على المعركة التي هشمت "السيوف الحديدية"، فشلت "إسرائيل" ورعاتها في تحقيق أهدافها. وباتت إضافة هامة في مسيرة التحرير المؤكدة أن الإنتصار لا يأتي بالأقوال بل بالمقاومة والتضحية.
منذ أن شرعت الآلة الحربية الإسرائيلية بدكّ الأحياء السكنية في غزة ردًا على عملية "طوفان الأقصى"، حظيت "تل أبيب" بدعم من دول غربية عدة، ووصف زعماء هذه الدول الدعم العسكري بـ"الثابت والموحّد". وبدلاً من إدانتها، وسائل الإعلام والحكومات الغربية تغطي جرائمها بالصمت، بل وقدّمت للكيان المحتل دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا، وأمنيا وإعلاميا. ومنذ تلك اللحظة، تتبعت "إسرائيل" استراتيجياتها الفاشلة، مستخدمة القوة الهمجية دون جدوى، فشهدت حياة آلاف الأبرياء، بينهم آلاف الأطفال، والنساء والشيوخ!..
فماذا نعرف عن الدعم العسكري الغربي لإسرائيل؟
يتفاوت الدعم العسكري الغربي لـ"إسرائيل" بين دولة وأخرى، وإن كان الثابت أنّ معظم دول الغرب "المنحازة" لها لا تتوانى عن تقديم كلّ ما تستطيع، لدرجة أن البعض بات يصفها بأنّها "شريكة" في العدوان على القطاع. والولايات المتحدة أول تلك الدول التي سارعت لإرسال ذخيرة متطوّرة طلبتها "إسرائيل" لتزويد طائراتها المقاتلة التي ألقت أطنانًا من المتفجّرات على قطاع غزة. وتجسدت بدعم الرئيس بايدن في العدوان، بتقديم مساعدات تشمل صواريخ لنظام القبة الحديدية وغيرها، لمواجهة صواريخ المقاومة، كشفها لاحقًا زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي تشاك شومر خلال زيارته للكيان المحتل، مصرحًا أنّ المجلس يعمل على إقرار حزمة مساعدات عسكرية تشمل صواريخ إضافية لمنظومة "القبة الحديدية".
كما أرسلت واشنطن حاملة الطائرات "جيرالد فورد" إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تصحبها طائرات مقاتلة وطرادات ومدمّرات. وقرّرت إرسال حاملة الطائرات"دوايت أيزنهاور" والسفن المرافقة لها إلى المنطقة. ووضعتها [حاملتي الطائرات] على أهبة الاستعداد لمساعدة "إسرائيل". ولم تكتفِ بتحريك أكبر أساطيلها البحرية وإرسال أكثر من 230 طائرة شحن و20 سفينة محملة بالأسلحة منذ بدء العدوان على غزة، بل ها هي اليوم تفتح أبواب مخازن أسلحتها السرية في "إسرائيل" على مصاريعها لاستخدام جيش الاحتلال.
وهذا الدعم يثير قلق الجمعيات الحقوقية حول استخدام الأسلحة الأمريكية في هجمات العدو الغاشم على غزة، فيسلطون الضوء على الحاجة إلى التحقق من الامتثال للقوانين الإنسانية، خاصةً بعد كشف تقارير عدة للأمم المتحدة استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المدنية وحذرت من العواقب الكارثية.
بدورها، أعلنت الحكومة البريطانية نشر تجهيزات عسكرية للمراقبة البحرية والجوية وسفينتين في شرق البحر المتوسط دعمًا لـ"إسرائيل". أما ألمانيا، فوضعت تحت تصرف الاحتلال طائرتين مسيرتين حربيتين من طراز "هيرون تي بي" تحمل كل منهما طنًا من الذخائر. وفي الوقت ذاته، تناقش برلين تزويد الإسرائيليين بذخيرة للسفن. وضمن مسلسل الدعم الغربي، اكتفت باريس بتقديم معلومات إستخبارية، وقال وزير الجيوش الفرنسية سيباستيان لوكورنو في هذا السياق، إنّ بلاده لم يُطلب منها تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل.
لماذا يدعم الغرب هذا الكيان الصهيوني؟
تعود جذور الدعم الغربي لـ"إسرائيل" إلى دوافع تقليدية وتاريخية. يُرجح تفسيرها المتعلق بعقدة الذنب التي يشعر بها الغرب نتيجة للمحرقة النازية. فيعتبر الغرب منح اليهود دولةً خاصةً بهم خطوة للتكفير عنها، وحماية "إسرائيل" وسيلة لمنع تكرار المأساة. ومع ذلك، يظل هذا التفسير ناقصًا، فالغرب نفسه يحمل سجلًا ثقيلًا من الجرائم خلال حقبة الإستعمار، ما يثير تساؤلات حول عدم التكفير عن الأضرار التي لحقت بشعوب آسيا وأفريقيا. وتبرز تميّز "إسرائيل" كإمتداد للمشروع الإستعماري الغربي، الذي وُلِد من الاحتلال البريطاني لفلسطين.
كما يتسم موقف الغرب هذا بتعقيدات تاريخية، بل يُفسر بممارسات ماضية مثل الاستعمار واتفاقيات سايكس بيكو وتأسيس "إسرائيل" في منطقة الشرق الأوسط لتحقيق التحكم فيها. والحربان في أوكرانيا وقطاع غزة تُعتبران جزءًا من حروب حضارية تهدف إلى الهيمنة على مناطق محددة وسيطرة على الجيران. وإدراك الغرب لصعوبة السماح بخسارة معنوية للكيان ينطلق من خوف من نهضة غير متوقعة في العالم العربي، كما تمثل هزيمة "إسرائيل" في حرب تموز/يوليو 2006 مثلًا. ولهذا، لن يتحمل الغرب هزيمة في أوكرانيا وأخرى في فلسطين، وهذا ما يفسر لماذا الغرب لا يتحرك أمام حرب الجبناء التي تعني القتل والتهجير المتعمّد للنساء والمدنيين، خاصة الأطفال، لأن الطفل يعني الإستمرارية. فتأملوا ما فعلت الوحشية الإسرائيلية بالأطفال الخدج في المستشفيات، أمام أعين الرأي العام العالمي.
وعلى الرغم من كل هذا الدعم، ومهما تعددت أشكاله، التاريخ يفيد بأن مقاومة الشعوب تكون عادة أقوى من مخططات الغرب مهما طال الزمن، "وطوفان الأقصى" يترجم هذا العنوان متّسمًا بتحول كبير، أصبحت فيه الأسلحة الدفاعية التي تمتلكها المقاومة الفلسطينية متشابهة مع الإيمان القوي بقضية التحرير، وفي قدرتها على إطلاق آلاف الصواريخ والقذائف في عمليات مباغتة، تتجاوز الأنظمة الدفاعية والقبة الحديدية. بل وترسخ صورة الشعب الفلسطيني المناضل، الذي استند إلى الثقة في وعد إلهي استطاع تحقيق القوة والمقاومة.