/مقالات/ عرض الخبر

خاص على خطى "الشيطان الأكبر"، العدو الصهيوني يستعيد خطة التهجير

2023/12/04 الساعة 09:11 ص
المخطط الصهيوني تدمير ، قتل، وتهجير
المخطط الصهيوني تدمير ، قتل، وتهجير

راغدة عسيران

"أنني ملتزم سياسة أخلاقية إنسانية عادلة تجاه الهنود. وبهذه الروح الأخلاقية الإنسانية العادلة، أمرتهم بإخلاء أملاكهم على هذا الطرف من الميسيسيبي والرحيل الى الغرب" (رسالة الرئيس الأميركي اندرو جاكسون الى الكابتن جيمس غادسدن، من كتاب (دولة فلسطينية للهنود الحمر).

قد لا تكون خطة تهجير أهل قطاع غزة الى سيناء وغيرها من مناطق العالم، الخطة الأولى التي تفسّر وحشية العدوان الدموي على قطاع غزة، حيث يمكن الاعتبار أن هذه الوحشية التي ميّزت حرب الإبادة الحالية على الشعب الفلسطيني نابعة أساسا من نزعة الانتقام (من أكبر ضربة تلقاها الكيان الاستعماري منذ تأسيسه) لدى المستوطين اليهود في فلسطين المحتلة.

لكن، منذ بداية حرب الإبادة التي تتواصل منذ ما يقارب الشهرين، اتضحت خطة تهجير أهل قطاع غزة أكثر فأكثر، من خلال الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق السكان، أولا (المجازر والقتل الجماعي) بشكل غير مسبوق في العالم منذ الحرب العالمية الثانية (عدا فيتنام والجزائر)، إذ تهدف المجازر الى بث الخوف وحث الناس الى الرحيل، كما حصل خلال نكبة عام 1947-1948 وما قيل عن الفظائع التي ارتكبها الصهاينة في مجزرة دير ياسين (ابريل/نيسان 1948) التي بثت الرعب وشجعت الناس الى الرحيل، في فلسطين أو الى خارجها (لكن لم تنجح خطة الصهاينة الجهنمية خلال مجزرة كفر قاسم في اكتوبر 1956). وقد صدر تصريح لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بهذا الخصوص: بحيث "لا تخفي هذه الحرب نوايا وأهداف الاحتلال الحقيقية التي يسعى لتحقيقها والمتمثلة بشكل إساسي في قتل أكبر عدد من الفلسطينيين وتهجير من تبقى منهم، وهذا يكشف حجم الخداع والتضليل الذي يمارسه العدو على العالم".

وثانيا، الحرب ضد الحجر من خلال قصف البنايات والمنازل على ساكنيها دون تمييز، وتدمير بشكل منهجي، أحياء كاملة لم تعد صالحة للسكن. وثالثا، تدمير المرافق الصحية (المستشفيات والمستوصفات) والتعليمية (المدارس والجامعات) والدينية (المساجد والكنائس) ومراكز الايواء وكل المرافق الاجتماعية، أي كل ما يمكن ان يساعد الشعب على متابعة حياة شبه اعتيادية، في ظل حصار صهيوني-عالمي دام قرابة العشرين عاما. ورابعا، منع الماء والوقود من دخول القطاع خلال العدوان لتعطيش أهله، ومنع عنه التدفئة وإمكانية التنقل، إلا جنوبا ومشيا على الأقدام، ومنع الأهالي من العودة الى بيوتهم ومدنهم الواقعة شمالي القطاع خلال ما سمي بالهدنة الإنسانية التي استمرت 7 أيام، وخامسا منع المساعدات الغذائية (جريمة التجويع) والطبية من الوصول الى منطقة الشمال، التي اعتبرها الصهاينة منطقة عسكرية، لمنع المستشفيات من أداء دورها ومنع دخول الآليات والرافعات للدفاع المدني لرفع الأنقاض وانتشال الجثث أو من بقي عالقا تحتها.

والآن، بعد "الهدنة الإنسانية"، عادت حرب الإبادة الجماعية ضد قطاع غزة في كل مناطقه، من الشمال الى الجنوب وخاصة في مناطقه الشرقية، في الوقت الذي كثر فيه الحديث عن "المناطق العازلة"، أي المناطق التي يراد منها أن تكون خالية من الفلسطينيين، بعد القصف الهمجي، والتي قد يتم ضمها لاحقا الى الكيان الصهيوني، كما فعل الصهاينة في مناطق مختلفة من فلسطين قبل وبعد الاحتلال عام 1967، تمهيدا لاستيطانها وتوسع المستوطنات المقامة قرب القطاع، وهي مقامة أصلا على مناطق اعتبرت سابقا "مناطق عازلة". وذكر القيادي في حركة الجهاد الإسلامي داوود شهاب أن "حديث إسرائيل عن إقامة مناطق عازلة في غزة هو ترجمة لمخطط تهجير الفلسطينيين، وهي جزء من مخطط الضم والتوسع الاستيطاني" وأن تهجير الفلسطينيين "كان محور المؤتمرات الانتخابية لحزب الليكود الحاكم في إسرائيل".

لم يخترع الكيان الصهيوني خطط التهجير القسري للسكان الأصليين من بلدهم، لقد سبقه قبل أكثر من قرن من الزمن المستوطنون الأوروبيون الذين أسسوا الولايات المتحدة الأميركية على حساب الأمم الهندية، سكانها الأصليين.

في كتابه "دولة فلسطينية للهنود الحمر"، الصادر عام 2015، يوضّح الكاتب منير العكش طريقة أبادة هذه الأمم من قبل المستوطنين الأوروبيين قبل وبعد تأسيس دولتهم الأميركية والهجمة الأميركية على من تبقى منها والتي كانت ما تزال تعيش شرق نهر الميسيسيبي. لقد شنّ الجيش الأميركي حملة واسعة لتهجيرها الى ما وراء النهر غربا: "في خريف 1825، خطت الحكومة خطوطها العملية الأولى نحو اقتلاع كل هنود الشرق الأميركي من بلادهم وبلاد آبائهم وزرعهم وراء نهر الميسيسيبي في معسكرات موت اسمها الوطن المستقل الجديد... (هذا الوطن الهندي المستقل) كان أشبه بحصان طروادة استيطاني في أراضي الهنود غرب الميسيسيبي، إذ سرعان ما اتضح أن حلم الدولة في الغرب لم يكن سوى كابوس لا يختلف عن كوابيس الشرق، ولا بد من أن يصبح هذا "الوطن الأبدي" للهنود جزءا من الولايات المتحدة.." ما يعني أن التهجير لم يكن إلا خطة لمواصلة الزحف الاستعماري، على مراحل. أورد الكاتب أقوال المسؤولين الأميركيين عن حملة التهجير وذكر حوادثها بتفاصيلها وكشف التضليل و"نفاق اللغة وكذب العواطف"، كما يتضح اليوم مع أقوال المسؤولين الأميركيين تجاه الشعب الفلسطيني وأهل غزة بالتحديد. ألم يتحدث المسؤولون الأميركيون مرارا عن "ضرورة حفظ سلامة المدنيين" في قطاع غزة متقمصين دور الأب "العقلاني" أمام همجية وجنون الصهاينة؟

أما فيما يخص قطاع غزة والأجزاء الأخرى المحتلة من فلسطين، فلم يتوقف الصهاينة يوما من التفكير بتهجير شعبها، لكنهم كانوا ينتظرون الوقت المناسب لهم لتنفيذ هذا الحدث المفصلي، بعد النكبة، وإن واصلوا على مدار العقود الماضية ترحيل الآلاف من أبناء فلسطين، الى مناطق أخرى داخل فلسطين أو لخارجها، باختلاق الأسباب المختلفة. في هذا الصدد، يُعتبر الترحيل الداخلي اقتلاعا أوليا من أجل قطع العلاقة بين الانسان وأرضه وبيئته الصغيرة، ما يسهّل عملية الاقتلاع الكبيرة التي يجهّز لها الصهاينة.

غير أن ما يميّز جريمة التهجير بحق الفلسطينيين التي يسعى اليها الصهاينة اليوم، وجريمة التهجير التي اقترفها الشيطان الأكبر الأميركي بحق الشعوب الهندية، هو وجود مقاومة فلسطينية شعبية مسلحة واسعة تقف في وجه كافة المشاريع الاستيطانية التهجيرية الصهيونية والأميركية، وهذا ما أكّده الشيخ علي أبو شاهين، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، قائلا إن الشعب الفلسطيني اليوم "لايزال صامداً ومستعداً أن يضحي من أجل كرامته وعزته وإيمانه بعدالة قضيته رغم كل عمليات القتل والتجويع والحصار، وإنه يفشل اليوم كل مؤامرات التهجير". والعنصر الثاني الأساسي الذي منع جريمة التهجير في العقود الماضية ويمنعها اليوم، هو وجود أمة عربية إسلامية حاضنة للشعب الفلسطيني ومقاومته، رغم خيانة بعض حكامها وتخاذل وجبن بعضها الآخر، وعدم استجابتها لنداءات الشعب الفلسطيني.

لقد أثرت مواقف بعض الدول العربية (مصر والأردن خاصة) الرافضة قطعا لعملية التهجير، بسبب الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني على أرضه في قطاع غزة، على الإدارة الأميركية التي تراجعت اليوم عن دعم علني لعملية التهجير، كونها تريد المحافظة على مصالحها وسيطرتها على الدول العربية، وتسعى لكسب رضى الشعوب من خلال التضليل الكلامي و"نفاق اللغة وكذب العواطف"، كما فعلت مع الشعوب الهندية سابقا. وهذا ما يتطلب زيادة الوعي بدور الولايات المتحدة في هذا العدوان على الشعب الفلسطيني، الذي هو عدوان أيضا على شعوب الأمة، وبضرورة مواجهة المشاريع الغربية كلها التي تقف أمام حرية هذه الشعوب واستقلالها وتقدمها ووحدة مصيرها، كون معركة "طوفان الأقصى" التي انطلقت من فلسطين فتحت الأبواب واسعا أمام الشعوب لمحاربة الوجود الغربي ومصالحه، عسكريا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا وفكريا.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/200107

اقرأ أيضا