أكثر من عشرة آلاف شهيد في غزّة منذ بداية الحرب الكونية وحتّى اللحظة، أكثر من عشرة آلاف قلبٍ مقاومٍ يحلم كلّ يومٍ أن يذهب إلى عاصمة بلاده بجسده عاموديًّا، لا أفقيًّا في كفن. بنكُ أهداف العدوّ أطفالٌ يَتَّموا آباءهم، ونساءٌ حوامل يُتّمت أجنّتهم، وأجنّةٌ لم يبصروا عدوان الاحتلال فماتوا بقلبٍ يتجرّع السّكينة. كلّ هذه المشاهد تدفعك لأن يكون فعل "المقاومة" فيكَ فعلًا اعتياديًّا يوميًّا، في أبسط تفاصيل يومك، حتى في طعامك وشرابك، ولهذا نحكي "بالمقاطعة".
هذه المقاطعة التي تتشكل في هجر كلّ منتج قد تدعم شركته أو مصنعه الاحتلال بطريقة ما، كي لا نكون شركاء في سفك الدّم الفلسطينيّ الشّريف، وكي ندرك أنّ كلّ قرارٍ يؤثّر، وأنّ مقاطعتنا الجماعيّة تُسقط "جبروت" احتلالهم وداعميهم، مدركين فعلًا كيف "لا نقتل طفلًا فلسطينيًّا" بوجبةٍ تدعم قاتله!
دفعت الحرب في غزة خلال الشهر الجاري عددًا من الشعوب العربية والإسلامية وحتى الأجنبية، إلى الدعوة لمقاطعة منتجات عالمية أو فروع لشركات أجنبية تعمل في بلادهم وتدعم الكيان "الإسرائيليّ"، واستبدالها بأخرى محلية الصنع، أو مستوردة من بلاد لا تساند الاحتلال، مع نشر صور البدائل، وإظهار الشركات الداعمة أمثال "ماكدونالدز" التي قدمت وجبات مجانية ساخنة "للجيش" "الإسرائيليّ".
المقاطعة كمبدأ، موجودة منذ القدم، مورست في جنوب أفريقيا أثناء الفصل العنصري، وفي الهند في زمن المهاتما غاندي، الذي سبق وقاد حملة مقاطعة البضائع البريطانية، وحرّر الهند من الاستعمار بتأثير جليّ للمقاطعة. كما وفي الولايات المتحدة الأميركية، نجح الأفارقة الأميركيون في مقاطعة نظام الباصات العنصري في خمسينيات القرن العشرين. وفي الوطن العربيّ، جرت عمليات مقاطعة كثيرة من قبل، أبرزها في فلسطين ضد الاستعمار البريطاني والتغلغل الصهيونيّ في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي الانتفاضة الشعبية الأولى في نهاية العام 1987.
في تموز 2011 أقر الكنيست "الاسرائيلي" قانونًا لمنع "الضرر" على الكيان "الاسرائيلي" عبر المقاطعة، هذا القانون يعاقب كلّ شخص أو منظمة يدعوان لفكرة المقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية لشخص أو جهة بسبب علاقتها "بإسرائيل"، وبالتالي فإن للمقاطعة تأثيرها الواضح على الفكر "الإسرائيليّ" واقتصاده، وإلا لما وُضع قانونٌ عقابيٌّ لكلّ من "يجرؤ" على هذا الفعل.
من هنا، فقد منحت حكومة الكيان جوائز في العام 1988 لشركات أسهمت في تقوية الاقتصاد "الاسرائيلي" طوال خمسة عقود، كما وتسعى لمحاربة المقاطعين بالقوانين، أو عبر تمويل جمعيات تناشد فناني العالم عدم الالتفات إلى دعوات المقاطعة، وتعرض عليهم أجورًا "سخيّة" إن تحدّوا المقاطعة ووافقوا على إقامة عروض في الكيان.
فالشركات العالمية والاستهلاكية تبدأ بتغيير سياساتها بمجرد حدوث انخفاض بسيط في أرباحها الصافية، أو عندما يعدّ الاستثمار فيها عملًا محفوفًا بالمخاطر على أرباحها، فكيف إذا تمّت المقاطعة بشكل كبير يؤثر في سياسات هذه المؤسسات التي ستضطر لمقاطعة الكيان من أجل المحافظة على اقتصادها؟
كما أنّ الحملات لا تشملُ فقط مقاطعة المنتجات، بل والمقاطعة الفنّيّة كذلك، لأن قيام الفرق الفنية العالمية بتقديم عروضها داخل الكيان المحتلّ يساهم في التغطية على جرائمه عن طريق "الإلهاء الإعلامي" الذي يعتمده، فيستغلّ ذلك لينسخ تلك الجرائم في العقول، من قتل وتهجير وفصل عنصري، هذا يشجع فنانين آخرين على تقديم العروض هناك، فالفن هو الشريك الأساسي في دعم اقتصاد الدول وسياساتها، والاحتلال الغاصب يعتمد بشكل كبير على الدعم الغربي الاقتصادي والسياسي والديبلوماسي والثقافي، من أجل إدامة نظامه العنصري والاستعماري.
الشعوب إجمالًا لا تنتصر على مستعمِرها إلّا بتضافر أساليب عدّة من المقاومة، من الكفاح المسلّح من مقاومينا أوّلًا، إلى المقاطعة التي تشمل الجمهور الواسع ككلّ، من أطفال ومسنين ومهندسين وأطباء ذكورًا وإناثًا، كما ويمكن أن تمارَس المقاطعة بحرية كافية من كلّ إنسان يقاطع منتجًا ما دعمًا لغزّة، مع توفر البدائل، وحتى لو لم تتوفر البدائل بالشكل المتوازي، فالمشاهد في غزّة تجعلك تخجل أن تعيش حياتك بشكل طبيعيّ، فكيف بأبسط أنواع المقاومة شكلًا، والعميقة تأثيرًا، وهي المقاطعة؟
كلّ هذا يقودنا إلى استنتاج أساسيّ، وهو ضرورة أن تتشبّع الشعوب بثقافة المقاطعة كي تمارسها، وإلا فإن فرض القوانين لن يكفي لوحده بدون فهم وإرادة الشعوب الداعمة لأهالينا في غزة وكل فلسطين، فهذا الوعي الشعبي يعزز القناعة الأخلاقية والمبدئية بالمقاطعة، وبالتالي يعزز ثقافة المقاومة الفكرية في "طمس" اقتصاد الكيان، وصولًا للمساهمة في زواله.