وكالة القدس للأنباء - تالا غساني
70 شهيدًا فلسطينيا وأكثر من 200 جريح سقطوا على شارع صلاح الدين في غزة في بث مباشر شاهده العالم على شاشات التلفزة، ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد استهداف قوات الاحتلال الصهيوني قوافل النازحين من شمال غزة نحو جنوبها في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري. لم يكن هذا الاستهداف الأول ولا الأخير لأهل غزة الذين يحاولون الوصول إلى مكان أقل خطراً من بيوتهم. لم يعد هناك مكان آمن في غزة يلجأ إليه أهلها، سوى الخيار الذي يرفضونه: الخروج منها.
نصب أول مخيم للنازحين، من غزة إليها، في خانيونس في المنطقة الصناعية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - "الأونروا"، وانتقل به الأهالي من عامنا هذا إلى ذاكرة النكبة عام 1948، ويفتقر هذا المخيم إلى أدنى مقومات العيش، وتكاد تنعدم فيه المرافق الصحية والمعيشية، ويعيش سكانه على ما يقدم إليهم من مساعدات شحيحة من "الأونروا". جاء هذا المخيم بعد القرار "الإسرائيلي" باستنساخ التغريبة الفلسطينية مرة أخرى في غزة، وذلك لفشلهم بتحقيق أي من أهدافهم العسكرية في القطاع.
يهدف قرار التهجير "الإسرائيلي" إلى محاولة "تطهيرعرقي" وإبادة جماعية لأهالي قطاع غزة، وذلك عبر تهجيرهم بشكل أساسي إلى صحراء سيناء، فقد أوجعت المقاومة الكيان الصهيوني مرة في عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وأوجعهم أهل القطاع ثانية بالتفافهم حول المقاومة رغم كل المجازر والدمار والوحشية في ردة الفعل الصهيونية تجاههم.
وفي هذا السياق، صرح نائب وزير خارجية الاحتلال الأسبق داني أيالون في مقابلة تلفزيونية قائلا: "إن على سكان غزة مغادرة القطاع والتوجه إلى صحراء سيناء، ومن ثم على مصر أن تستقبلهم هناك في مدن يتوفر فيها الغذاء والمياه، إذ أن هناك مساحة لذلك. يستطيعون أن يعيشوا في مناطق مفتوحة، وسنقوم نحن والمجتمع الدولي بإعداد البنية التحتية وبناء 10 مدن من الخيام وإمدادهم بالطعام والمياه. نحن لا نقول لهم اذهبوا إلى الشواطئ وأغرقوا أنفسكم، إنما نريد فتح ممر إنساني حتى يتمكنوا من المغادرة." . ومع دعوة قوات الاحتلال أهالي شمال قطاع غزة بالتوجه جنوبا، تم استهداف تجمعاتهم عبر قصف مباشر وكثيف ومتعمد، ما أسفر عن العديد من المجازر في صفوف المدنيين واستشهاد عدد من النساء الأطفال والعجائز الذين كانوا يظنون أنهم في مأمن من صواريخ الاحتلال.
وقد قابل سكان القطاع هذا الاعتراف الصريح بنية الاحتلال تهجيرهم إلى مصر، بالثبات في منازلهم رغم حرمانهم من الأمن وأبسط مقومات الحياة، بنية الضغط عليهم ودفعهم لترك منازلهم. وتمسك ما يزيد على 800 ألف مواطن غزاوي من أصل مليون و200 ألف بالبقاء في بيوتهم، رغم التدمير الشامل الذي طال أحياء سكنية وتجارية عديدة في وسط وشمال القطاع بشكل رئيسي. وفي السياق ذاته، انطلقت النداءات من المساجد تدعو وتشجع الغزيين على التشبث بأرضهم لئلا يقاسوا ما جربه أهلهم في نكبة العام 1948، وسط تعرض الطرق الآمنة التي أعلن عنها جيش الاحتلال إلى قصف متعمد ما يجعلها بمثابة مقابر جماعية.
كل هذه المجازر ومحاولات إبادة المجتمع الغزاوي لم تلق تحركا دوليا جديا، بل أضيف إليها تبني الولايات المتحدة الأمريكية لخطة الإخلاء عبر الدعم المفتوح والمساعدات غير المشروطة لحكومة الاحتلال إسناداً لها للمضي في مخططها الإجرامي، الذي ينتهك حقوق الإنسان والقوانين الدولية. ورغم ما تعلمه أمريكا من مخاطر وتبعات لهذا القرارالذي يشمل إخلاء المستشفيات والمدارس ومؤسسات الأونروا ودور العبادة، فإنها لم تتوان عن منح كيان الاحتلال الضوء الأخضر للمباشرة بتنفيذه.
كل هذا الدعم الأمريكي الهائل لم يرجع المواطن الغزاوي عن قراره بالصمود في أرضه وداره، ولم يثبط عزيمته أو يزعزع إرادته أو يشعره بالخوف، فثقة أهل غزة بالمقاومة بعد عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر تضاعفت، ووجدوا أن دورهم وأموالهم وحتى أرواحهم التي ستدفع ثمنا لهذا النصر، هي رخيصة دونه، وهي مشاركة لهم في تعبيد طريق التحرير والتحرر. هذا الشعب الذي صمد سبعة عشر عاما في الحصار المدقع والتضييق والحروب، قام منتصرا وكسر شوكة العدو وجعل الأرض تهتز تحت أقدام جنوده، هذا الشعب يثق بالأرض التي يملكها، ولا ينكسر أو ينهزم، ولن يسمح للعدو بأن يسرق داره مرتين، فالأرض ودونها دماه.
