وكالة القدس للأنباء - أسماء بزيع
يبدو أن "طوفان الأقصى" أغرق "الإسرائيلي" لدرجة أنّ ماء وجوههم طاشت عليها شحنات الغضب. والتي لم تستطع أن تخفف حجم ما وصفه كثير منهم بالفشل العسكري والأمني الهائل، الذي قاد حتى الآن إلى الموت اللاهب لأكثر من 1400 "إسرائيلي" وما زالت اللائحة في ازدياد.
وبين مراكب الغضب والصدمة بدأت "إسرائيل" تنسج رؤيتها للطرف الآخر. فمن وجهة نظر بعض القادة الصهاينة ومؤطريهم، لم يكن الفلسطينيون بشرًا، حتى أنهم وحّدوا نظرتهم بلغة السحق والمحق لسكان غلاف غزة، الذين أطلق عليهم وزير حربها، يوآف غالانت وصف "الحيوانات البشرية".
شعارات شرعنة الجرائم
ورغم أن الحيوان يحظى في الغرب عمومًا بتقدير ورعاية قد تفوق رعاية الإنسان، فإنّ الإنسان الذي تنتقم منه "إسرائيل" في غزة يواجه أشرس عقاب جماعي في تاريخ الاعتداءات "الإسرائيلية"، والذي تحاول وسائل الإعلام العبرية والغربية شرعنته بتوصيف "حماس" على أنها تشبه "تنظيم داعش"، لتبرير كل عمليات القصف والقتل والإبادة التي تقوم بها "إسرائيل". فيستحل سفك دماء المدنيين في غزة، من رضّعٍ وأطفال ونساء ورجال، ويشرعن إبادتهم، بل يبرر استخدامهم لأبشع أنواع الأسلحة، وأكثرها فتكاً، كالفسفور الأبيض المحرّم دوليًا.
ولا يقتصر مسمّى "داعش" فقط على تبرير جرائم العدو الصهيوني الهمجية، بل أيضًا لإدانة أعمال المقاومة فتُعتبر أعمالها "انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان" وأنّ ما تقوم به يعتبر "جرائم ضد الإنسانية يتعين إحالتها إلى العدالة"، فتُفرض عقوبات منع السفر ومنع التمويل والحجز، وتُدرج على القائمة السوداء، وتحث القرار الدولي على تجفيف منابع المال والسلاح لهذا "التنظيم". كما ودفع التحالف الدولي لمكافحة وجودها الافتراضي حتى يطال التضييق على كل شبكاتها الإلكترونية، التي تبث عليها وحتى التي تدعمها. ومن هنا قُطعت الكهرباء والإنترنت عن غزة، بمحاولة سفيهة لحجبها عن العالم وإخماد صوتها والتعتيم على مظلوميتها، فتفكك حقيقتها وتُزال، تمامًا كما تُمارس شركة “ميتا بلاتفورم meta platforms” بسياستها الغوغاء على مواقع التواصل.
تنظيم أم ظاهرة؟
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول التي استفادت من ظاهرة "تنظيم الدولة - (داعش)"، كما سبق لها استثمار تنظيم "القاعدة" لإعلان الحرب واحتلال أفغانستان والعراق بغطاء كذبة مفبركة.
بنظرة بسيطة على العراق، في 5 فبراير/شباط من العام 2003، وقف كولن باول وزير الخارجية الأميركي الخامس والستين في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش، أمام مجلس الأمن يشير بأنبوب اختبار صغير يحتوي على مسحوق أبيض، ليؤكد أنه يقدم أدلة وصفها بـ "الدامغة" آنذاك عن إخفاء نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، وأنه يواصل خروقاته المادية لقرار مجلس الأمن 1441 (2002). ليعلن ندمه فيما بعد، قائلًا أمام مجلس الأمن، إن العراق لا يستحق منحه فرصة أخرى، ودعا إلى الإستجابة للتحدي الذي تفرضه المسألة العراقية، متهمًا نظام صدام حسين بعلاقته مع تنظيم"القاعدة" (الإرهابي المحظور في روسيا وعدد كبير من الدول). وهذه الكذبة الأمريكية كلفت العراق ثمنًا باهظًاً، لا يزال يدفعه حتى اليوم، وكانت نقطة الانطلاق إلى غزو العراق، وسلب عشرات الآلاف من الأبرياء أرواحهم، وهدم منازلهم وحرق حاضرهم ومستقبلهم، والتي تمثل بحسب المراقبين وصمة عار وجريمة ضد الإنسانية لا يمكن أن تسقط بالتقادم.
لقد أصبحت عمليات "مكافحة الإرهاب" التي تزعمها الولايات المتحدة أداة للحفاظ على مصالحها وهيمنتها، وتعزيز ما يسمى بالديمقراطية والقيم الأمريكية في الخارج، ما أدى إلى إلحاق الأذى بالعديد من المدنيين، وتفاقم قضية اللاجئين، وإغراق المناطق المتضررة في حالة من الفوضى، وزيادة التهديدات الأمنية.
فتحت غطاء تشبيه حماس بـ(داعش) تنفذ "إسرائيل" مجازرها المتمادية في قطاع غزة، ضد البشر والحجر ودور العبادة والمؤسسات الصحية. حيث أزاحت أحياءً غزاوية كاملة من الخريطة، وتركوها يبابا بعد أن كانت عامرة بأبراج وعمارات ومساجد وأسواق المقاومين الصابرين. ولأن القانون الدولي نظري جدًا وبعيد عن الواقع في فلسطين فإن كل محظوراته باتت منتهكة.
لأن هذه الأفعال تحتاج سردية تدعم وتبرر لا إنسانيتهم، وجرائمهم وإنجازاتهم الملطخة بدماء الأبرياء وتاريخهم القائم على القتل والقصف والهدم والعدوان، وسلب الأراضي واغتصابها، اختلقت الآلة الإعلامية "الإسرائيلية" شائعة قطع حماس رؤوس الأطفال التي تبناها الرئيس الأميركي جو بايدن، قبل أن تكذبه شواهد الواقع وحجم ما تدفق من مقاطع تثبت جرائمهم ومجازرهم البشرية..
لكن شتّان أنا يجتمع "متناقضان"، فمن يطعم الأسرى والنساء، ويحمل الأطفال ويستأذن الأسرى لأكله موزةً من منزله لا يساوى بمن تاريخه أسود وملطخ بالعار والدماء والقتل، ولو كره الجاهلون.
