لم يتخل الغرب الاستعماري عن منطقه الإجرامي واستعداده لإبادة الشعوب المختلفة عن "الرجل الأبيض"، من أجل مواصلة نهبه لثروات العالم واستعباد شعوبه، والتسويق لقيمه المعادية للإنسانية، المغلفة بكلمات الحرية والديمقراطية. هذا ما يمكن استنتاجه من قراءة سريعة لبعض الصحف الأوروبية (الفرنسية) منذ بدء عملية "طوفان الأقصى" البطولية التي شنتها المقاومة الفلسطينية في فجر يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فقد عبّرت الصحافة الفرنسية، منذ اليوم الأول، عن سياسة دولتها، وهي الدعم الكامل للكيان الصهيوني المجرم ودعم جرائم مستوطنيه في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة. فأتاحت حرب الإبادة التي ينفذها العدو الصهيوني الفرصة لهذه الصحافة لتدفق حقدها وكراهيتها على العرب والمسلمين، والترويج لأكاذيبها حول تاريخ اليهود وتاريخ الكيان الاستيطاني.
منذ الساعات الأولى لعملية "طوفان الأقصى" البطولية، التي نفذها المقاومون الفلسطينيون ردا على الجرائم الصهيونية بحق الأسرى والمسجد الأقصى والقدس والضفة الغربية، التي لم يتابعها الإعلام الفرنسي إلا بالتنقيط من وقت لآخر، قرّرت الدولة الفرنسية منع أي تعبير تضامني مع الشعب الفلسطيني ومقاومته، عندما أصدرت مرسوما إداريا يعتبر أن أي كلمة تضامن مع الشعب الفلسطيني هي بمثابة دعم لما تسميه "الإرهاب" والحث عليه. بهذه الطريقة القمعية والمخالفة لحرية التعبير، أسكتت الدولة الفرنسية كل معارض للكيان الاستيطاني الإرهابي وكل منتقد لعملية الإبادة التي يرتكبها هذا الكيان.
رغم ذلك، قام المتمردون على قرارات وشرطة الدولة الفرنسية، المدججة بكل أنواع الأدوات القمعية، بتزيين بعض الجامعات ومحطات المترو والطرقات وبعض الأحياء بشعارات مؤيدة للشعب الفلسطيني ومقاومته، وبملصقات تدين الجرائم الصهيونية. نقل بعض العرب أخبارا حول قمع إدارة الجامعات للأساتذة الذين رفضوا الانصياع للأوامر، بإقالتهم من مناصبهم.
من خلال قراءة بعض الصحف الصادرة منذ اليوم الأول، يتضح أكثر من أي وقت مضى، أن الدول الغربية لم تتخل عن منطقها الاستعماري، بل تؤكد عليه وتدافع عنه وترفعه كشعار تريد لملمة شعوبها خلفه وبث الجهل بين المواطنين. بالنسبة للإعلام الفرنسي، المقاومة هي "الإرهاب"، ولأن المقاومة بمعظمها هي مقاومة إسلامية، فلا مجال للشك لديه بأن المقاومة الفلسطينية "إرهابية"، تسعى لإطاحة القيم الغربية التي يمثلها الكيان الصهيوني. فالحرب هي حرب "حماس" ضد "إسرائيل"، أي أن الإعلام الفرنسي يؤيد ويعلن عن تأييده لكل خطوة أو بالأحرى لأي مجزرة يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني كونه يحارب "حماس". فهو يبشّر بالتحاق القتلة الاحتياطيين الذين كانوا في فرنسا بجيش كيانهم لمواصلة المجازر بحق الشعب الفلسطيني، كما أنه يتابع أخبار "الرهائن" (الأسرى الصهاينة بيد المقاومة) إذ يحمل بعضهم الجنسية الفرنسية، ويتحمّس لشنّ الحرب لـ"تحريرهم" من أيدي "إرهابيي حماس".
يتساءل البعض إذا كانت صور المجازر التي يرتكبها الصهاينة في كل ساعة، ومنذ عشرة أيام، تصل الى هذا الإعلام؟ هي تصل بالتأكيد للإعلاميين ولكن أغلبهم قرروا عدم الحديث عنها وعدم الالتفات اليها، وهم يتشبثون بقيمهم الاستعمارية التي تقول إن "الرجل الأبيض" المتمثل باليهودي الصهيوني وبكل ذليل يرضى به ويدافع عنه، هو من يستحق الحياة فقط، وإن كل من يقاوم الإذلال والاحتلال والهمجية الاستعمارية والوحشية ليسوا إلا "إرهابيين" يستحقون الموت.
أعادت بعض الصحف التذكير بالحرب الاستعمارية الفرنسية ضد الجزائر وربطت بين جبهة التحرير الوطنية وحركة "حماس" (التي قرّر الإعلام الغربي أنها العدو وأنها تمثل المقاومة)، اعتقادا منها أن هذا التذكير بالماضي الدموي الفرنسي قد يشدّ الجيل الصاعد نحو القيم الاستعمارية، ولأن هذا الإعلام يعتبر أن ما يحدث اليوم في فلسطين المحتلة شبيه بما حدث سابقا بالجزائر، وأن على الفرنسيين الوقوف مع المحتل لضمان سيطرتهم و"تفوقهم".
الهستيريا الفرنسية التي صعدت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، ضد المقاومة الفلسطينية تعبّر تماما عن المنطق الاستعماري الذي يفصل بين الشعب وبين مقاومته، ولكن لا مانع لديه أن يبيد شعبا إذا لم يرضخ لـ"الرجل الأبيض"، وإذا التف حول مقاومته. يريد هذا المستعمر ان يبقى الشعب الفلسطيني، والى جانبه، أن تبقى كل الشعوب العربية، تحت الجزمة الصهيونية والغربية، وأن تتسول المساعدات لتبقي على قيد الحياة. بنظر هذا الإعلام العنصري الغربي، لا يعرف العرب والمسلمون ماذا تعني الحرية، ولن يعرفوا معناها طالما يدينون بالإسلام. فلذلك، من يواجه كيان المستوطنين وغطرسته وجرائمه لا يستحق المساعدة المالية والسياسية، وعليه الانقراض.
منطق الاستعمار لا يرفض حروب الإبادة، لأن الدول الاستعمارية نفذت هذه الإبادة في كل قرية ومدينة دخلتها في العالم، بحجة قتل "المتمردين" و"الإرهابيين". لكن ما أزعج وأربك هذه الدول وطواقمها السياسية والإعلامية وقطع أنفاسها وجعلها تصرخ وتهدّد، هو أن المقاومة الفلسطينية اتخذت المبادرة، وهجمت على "المستوطنين البيض الذين هم جزءا منا ويمثلوننا في عالم الأدغال". هذا ما لم يتحمّله الغرب الاستعماري ومنطقه الإجرامي والمعادي لحرية الشعوب.
هذا ما يفسّر الهستيريا التي يعيش فيها الغرب الاستعماري، والذي يؤكد مرة أخرى أن الكيان الصهيوني جزءا أصيلا منه، وأنه يحارب الشعوب الساعية الى الحرية بالوكالة عنه. لقد انكسر الغرب الاستعماري، وليس فقط الكيان الصهيوني، بعد 7 أكتوبر، وبدء عملية "طوفان الأقصى" وسقط الوهم.
هل ستتمكن بعض النخب العربية التابعة له استعادة البعض من هذه الأوهام وفرضها على شعوبها، بعد هذه الحرب التي يشنها كيانهم على البشرية؟