إذا قيست الأعمار بحجم ما يتحقق من إنجازات وعطاءات، فإن تقييم ما قدمته وتقدمه يوميا "حركه الجهاد الاسلامي في فلسطين" في شتى مجالات العمل يفوق أي تقدير أو حساب.
فالحركة انطلقت في ظل ظروف قاسية وتحديات كبيرة وإمكانيات متواضعة، غير أن راس المال التي كانت تملكه تخطى كل الصعوبات والمتمثل بالارادة الصلبة والعقيدة الإيمانية الراسخة والرؤية الواضحة، وبناء على هذه المقومات تمكنت حركه الجهاد الاسلامي، وخلال مدة قصيرة من إثبات وجودها على ساحة العمل المقاوم مؤسسة لمراحل غاية في التقدم، ومسجلة الانتصارات وإلحاق الخسائر في جسد جيش العدو الصهيوني المدجج باحدث عتادٍ حربي واكثره تطوراً.
لم يمكن احد من المراقبين والمتابعين سواء من داخل الساحة الفلسطينية أو خارجها، ان يتصور بان فصيلاً حديث العهد وبإمكانيات ضئيلة جداً، ان يتقدم الصفوف المقاومة ويشكل إحدى طلائع الجهاد لتحرير فلسطين، واستعادة القدس ووضع حد للغطرسة والعربدة الصهيونية.
وأطلقت حركه الجهاد الاسلامي منذ دخول التيارات الإسلامية وانخراطها في العمل المقاوم فيما كانت الحركات الاسلامية التقليدية بعيدة كل البعد عن هذا النهج، ما فتحت آفاق العمل لكل القوى والاحزاب الإسلامية المجال في هذا الاطار والالتحاق بها وعدم الاكتفاء بالتنظير فقط.
كانت بدايات العمل تعتمد الوسائل البدائية في مواجهة العدو فاستخدمت السكاكين والحجارة، والقنابل اليدوية اذا توافرت. ثم تطورت الى العمل الاستشهادي من شباب وفتيات، وقد تعرضت حركه الجهاد الاسلامي بسبب ذلك الى حملات واسعة من الاعتقالات والمطاردة والنفي والقتل والاغتيالات، غير ان هذه الاساليب الجافة التي اعتمدها العدو زادت من معنويات القيادات والعناصر التابعة للحركه لأنها أثبتت صحة رؤية ومواقف الحركة من العمل الجهادي، حيث طوَّرت من ادائها الميداني ليشمل الاقتحامات والصدامات المباشرة مع جنود العدو، ملحقه بصفوفهم خسائر بشرية ومادية فادحة وفق اعترافات العدو نفسه.
كان العدو الصهيوني يراقب عن كثب سرعة تطور حركه الجهاد وانتشارها بين صفوف الشعب فخشي من مشروعها الذي عبَّرت عنه بأدبياتها ووسائل اتصالاتها وخطب رجالات الدين في الجوامع، حركة قائمة على محاربة العدو حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني ومنع تدنيس المسجد الأقصى ووقف الاعتداءات على المواطنين واستعادة القدس من براثن الاحتلال.
لن تنجح سياسة القمع من قبل العدو ولا حملات الدهم والاعتقالات والاغتيالات لكبار القاده السياسيين والعسكريين وفي مقدمتهم المؤسس الدكتور فتحي الشقاقي من إضعاف الحركه.
خلال 36 عاماً وهو عمر متواضع نسبة لثورات وفصائل المقاومة في العالم، تمكنت حركه الجهاد الاسلامي من تطوير قدراتها بشكل أذهل العدو وكل داعميه.
لم تهادن، لم تتراجع، لم تيأس، لم تكترث لكل العروض الاغراءات والمصالح الضيقة. رفضت الحركه المساومة وتطبيع العلاقات مع العدو أياً كان شكلها أو مضمونها، فرسالتها التي حملتها وآمنت بها ودافعت عنها وتمسكت بها عن قناعه شاملة، هي العمل لتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني، غير منقوصة ذرة تراب واحدة، ولذلك اصابها البعض بالعداء، وحاول أن يشوِّه صورتها ويوجه لها اتهامات تدل على حقد وخوف وضيق أفق.
أعطت حركه الجهاد الاسلامي القدس أولوية، فاعتبرتها رمز هوية ووجدان القضية، ولب الصراع مع العدو، ومحاولة الاعتداء عليها او إلحاق الأذى بالمسجد الاقصى خط أحمر، واي اقتراب منه يعد جريمة تستحق الرد بعنف وهذا ما حصل فعلاً.
كانت حركة الجهاد الاسلامي وما زالت وستبقى وفق ممارساتها المبدئية حريصة على الدم الفلسطيني فتحرِّم أي اقتتال داخلي، وتصر على استخدام العمل المقاوم لقتال العدو الصهيوني وذلك رغم الأذى الذي لحق وما زال من غير طرف فلسطيني للأسف الشديد.
دعت الحركة وعملت وهي مستمرة في جمع شمل الفلسطينيين، وتوفير المناخ الوحدوي وسد أي ثغرة يمكن للأعداء استغلالها لإضعاف أو إلغاء المقاومة، وإدخال المقاومة والشعب الفلسطيني في متاهات لا جدوى منها، وهدر الدم الفلسطيني في غير موضعه.
رأت بالقدس عنواناً لجمع العالمين العربي والإسلامي، إضافة إلى أحرار العالم حول القضية الفلسطينية المحقة والعادلة، مؤكدة أن الانتهاكات والاعتداءات ضد المقدسيين وأبناء الضفة الغربية جرائم استوجبت الرد والردع، وما كان الانتصار للقدس من قطاع غزة وأبناء الداخل الفلسطيني المحتل سوى استجابه طبيعيه لإنهاء الاحتلال.
وما اثبتته كتائب جنين وعرين الأسود من خلال مشاركة فاعلة لحركه الجهاد الإسلامي كان له بالغ الأثر في تهشيم صورة الوضع الأمني لكيان الاحتلال، وقد تجاوز العمل المقاوم حالياً كل التوقعات بعد أن دخلت المسيَّرات والعبوات الناسفة الميدان.
ولو تابعنا تصريحات ومواقف القيادة العسكرية الامنية الصهيونية بخصوص الانجازات الميدانية النوعية للمقاومة لتأكدنا مدى المخاوف التي يشعر بها العدو والقلق الدائم من مستقبله الوجودي الغامض.
لم تفلح عمليات التنسيق الامني مع سلطة رام الله، التي أدت لاعتقال عددٍ كبيرٍ من كوادر حركة الجهاد الاسلامي وغيرها من الحركات، ولا التمسك بأوراق اتفاق أوسلو الصفراء، في إخماد وردع المقاومة بل زادتها اشتعالاً.
لقد ضربت حركه الجهاد الاسلامي بمسار المواجهات داخل المعتقلات الصهيونية، أمثلة رائعة في الخطط والبرامج والاشتباكات والإضرابات ومعارك الأمعاء والخاوية التي أعطت أعظم صورة باستشهاد القائد الجهادي الشيخ خضر عدنان، وقد فتح الباب أمام عشرات الاسرى والمعتقلين لتنفيذ إضرابات الأمعاء الخاوية باعتبارها مدرسة مبدئية وإنسانية ووطنية، وهذا ما ترك اثره البالغ ضد العدو في المحافل والمحاكم الدولية.
انتقدت حركة الجهاد الإسلامي، وهاجمت الدول المطبعة مع العدو الصهيوني، واعتبرت أن كل هذه الخطوات تشكل خنجراً في ظهر القضية الفلسطينية، وحذَّرت كل الذين ينوون السير في هذا الطريق من مغبة المخاطر التي ستنعكس سلباً على مسار ومطالب الشعب الفلسطيني، وعلى شعوب الدول المطبعة.
خاضت حركة الجهاد الاسلامي معركة مع العدو الصهيوني منفردة، كما خاضت معارك مشتركة مع فصائل أخرى وقد خرجت منها أكثر خبرة واكثر صلابة.
وباختصار شديد تمكنت حركة جهاد الاسلامي خلال 36 عاماً من الجهاد والعطاء من تقديم محطات مضيئة في مسار العمل المقاوم يحسب لها العدو ألف حساب، وما التهديد باغتيال رموزها وقادتها سوى الدليل على مدى تأثيرها وفعاليتها.. فهي حركة متجذرة، عصية على الاقتلاع، وستظل شعلة مقاومة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.