وكالة القدس للأنباء - ليلى صوّان
ان كنت تظن ان احداث عين الحلوة الاخيرة كسابقاتها، فإعد النظر بمشاهد تلك الاحداث، لتكتشف أن الواقع اليوم هو اصعب من ان تنقله عدسة كاميرا، او رسالة صوتية او نصية، فحجم الجريمة أكبر من أن يتصوره عقل بشري يعيش معنا في القرن الواحد والعشرين، في بقعة جغرافية لا تتجاوز مساحتها 1.5 كلم2، ووسط كثافة سكانية تقدر بـ 13 شخصاً في المتر المربع الواحد.
ان صورة الدمار التي يلخصها البعض بكونها حجارة تناثرت، وسقف سقط، وحائط مال ومنزل احترق، أو اخترقته قذيفة، وسوف يبنى من جديد وان وكالة (الأونروا) والمؤسسسات الدولية ستقوم بمهمتها وتعيد إعمار ما دمره القتال العبثي، وتعود الحياة الى طبيعتها، وينسى اللاجئ ما جرى، فهذا التصور جريمة أخرى بحقه، فالحجارة المتناثرة هي دماء القتلى والجرحى.. فهل يمكن أن تعيد المؤسسات الدم المراق في بيوت وشوارع وأزقة مخيم عين الحلوة؟..
فلكل لاجئ من سكان عين الحلوة، صامداً بداخله أو نازحا، له قصة لم تعرف بعد..
تروي لي الطفلة رؤى إبنة الرابعة عشرة من عمرها أنها في اللحظات الاولى من اشتداد القصف عليهم في "بستان القدس" نزلت برفقة عائلتها والجيران الى ملجأ الحي، ذللك المكان الذي لم يقترب منه احد منذ العام 2006 "اي خلال العدوان الاخير للكيان الصهيوني على لبنان" والذي يهابه البعض بسبب الظلام الدامس فيه ففي عز الظهيرة لا ترى حتى ظلك... ورغم الروايات المخيفة عنه شعروا انه المكان الآمن، فالقذائف في الخارج لا ترحم كهلا، رضيعا شابا امراة أو فتاة، الكل مستهدف والنيران مصوبة على الجميع.
تكمل رؤى حديثها وصوتها يتقطع وجسدها يرتجف "بعد مرور اكثر من ست ساعات على جلوسنا في هذا المكان الموحش، قررت ان استرق بعضا من نور الشمس، ووقفت بمحاذاة "طاءة" (اي فتحة صغيرة يتسلل منها بصيص ضوء ونسمات من الهواء) ولم تسمح لي القذيفة من رؤية نور الشمس لانها اخترقت شظاياها عيني ولم تذكر بعدها شيْ سواء النسوة وهم يحاوطنني ويسكبون الماء باعتقادهم انهم ينقذوني من الموت المحتم".
صمتت رؤى لدقائق، وانا انظر اليها وأتساءل، كيف سأقنع طفلة بعمرك ان المخيم وطننا الثاني، وهو من افقدك النظر وهدر حق حمايتك وضرب كل الاتفاقيات والعهود بعرض الحائط، وكيف أرسم بعينها المغطاة بضمادة ان هذا المكان هو محطتنا الاولى التحرير والعودة...
وتعود ابتسامتها تلمع فجأة وتقول "صحيح ضليت انزف ساعة ونصف لقدر الاسعاف يوصلني واوصل للمستشفى واتعالج وتخيلي برغم من كل هاد ضليت عايشة".
تصور معي ان حلم طفلة فلسطينية لاجئة في عين الحلوة ان تظل على قيد الحياة ويتحول حق أدمي الى أمنية ترجو تحقيقها .
تحدثني والدة الطفل عمر "طفلي من وقت الاشتباك بالمخيم لليوم كل ما يجي الليل بضل يبكي لينام وهاد غير كل شوي بينقز وبيصحى، وتأثر أكثر من وقت معرفته بان رفيقه يوسف اتصاوب على درج بيتهن وهوي نازل يوصل لستو ربطة الخبز".
وتكمل ام عمر "بيتي انحرق بقذيفة واتدمر وهاد الخبر بعدني مخبيتو عن ابني ما بدي يتعب نفسيا اكتر وخاصة انه موعود يرجع على البيت ويلعب بالعابه".
إلى جانب كل هذه الخسائر البشرية، والعمرانية والاقتصادية، ثمة أضرار غير مرئية لا تتحدث عنها وسائل الإعلام ولا تقارير المراسلين، وتتعلق بالجانب النفسي الذي خلفته تلك الأحداث، على الأطفال بشكل خاص.. فهذه التأثيرات النفسية ستحكم الجيل القادم والانعاكاسات والعقبات الكبيرة ستوضح افاقها في المستقبل ان لم يتم معالجتها فورا.
فالبيوت المدمرة والمحلات المحروقة والخراب في البنى التحتية ستجد عاجلا أم آجلاً من يصلحها ويعيدها كما كانت، لكن من يتحمل تبعات الانعكاسات السلبية والنفسية التي ستلاحق أطفال المخيم في أيامهم وسنواتهم المقبلة؟..
