وكالة القدس للأنباء – مصطفى علي
تهدد "عمالة الأطفال" التي تضع أعباءً ثقيلة على عاتقهم، وتُهدّد صحتهم وسلامتهم ورفاهيتهم، وتُدمّر مستقبلهم"... في وقت يكثر فيه الحديث والتنظير من قبل العديد من جمعيات ومؤسسات "المجتمع المدني" عن حقوق الطفل، التي يتقدمها حقه في التعليم والعيش بكرامة، وبسكن لائق، وتوفير الشروط الصحية المناسبة لتنشأته.
وقد دشنت منظمة العمل الدولية اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال في العام 2002 لتركيز الاهتمام على مدى إنتشار ظاهرة عمل الأطفال في العالم، والعمل على بذل الجهود اللازمة للقضاء على هذه الظاهرة.
ففي كل عام في 12 حزيران/يونيو، يجمع اليوم العالمي الحكومات ومؤسسات أرباب العمل والعمال والمجتمع المدني، بالإضافة إلى ملايين الأشخاص من جميع أنحاء العالم لإلقاء الضوء على محنة الأطفال العاملين وكيفية مساعدتهم.
إلا أن هذه القوانين و"الفرمانات" الدولية، لم تعرف طريقها الى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث تنتشر في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في العاصمة اللبنانية بيروت، ظاهرة عمالة الأطفال بكثرة، التي تقسو على حياتهم وتضعهم أمام مستقبلٍ معدوم، وذلك بفعل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان وما لها من تأثيرٍ مباشرٍ على اللاجئين الفلسطينيين الأكثر تأثرًا بالأزمات، ناهيك عن ظاهر التسرب المدرسي، المنتشرة في المدارس التي تديرها وتشرف عليها وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
للوقوف على ظاهرة عمالة الأطفال جالت وكالة القدس للأنباء في مخيم شاتيلا، وعادت بهذا التقرير الذي يكشف حجم المأساة التي يعاني منها أطفال المخيم.
محمود معروف (13 سنة) يعيش في مخيّم شاتيلا، ترك المدرسة بسبب الوضع الاقتصادي السيّء للعائلة. يقول لـ"وكالة القدس للأنباء" إنّه ترك المدرسة لعدم حبّه لها، وهو يعمل مع شقيقه الأكبر في محل تصليح الدراجات النارية".
وعن أحلامه وطموحه في الحياة، يجهل محمود ما يريد، فكل إهتماماته تتجه نحو هدف واحد: العمل وجني المال".
محمد علي (12 سنة) من مخيّم شاتيلا، يعمل في محل حلاقة، يقول لـ "وكالة القدس للأنباء": "أحب المدرسة واللعب مع أصدقائي، كما أحببت الأساتذة الذين كانوا يتعاملون معنا بلطف ومحبّة، ولكن ظروف الحياة الصعبة أجبرتنا على ترك المدرسة والعمل في مهنة الحلاقة".
وتابع: "تركت المدرسة لأسباب عديدة منها ضيق الأحوال المعيشية، حُرمت من حقي الطبيعي في العلم واللعب، بعدما دخلت سوق العمل لكسب القليل من المال".
فالفقر وأوضاع اللاجئين في مخيّمات لبنان، أسباباً أساسيةً تدفع بالأطفال لترك مقاعد الدراسة، باحثين عن فرص عمل في ورشات الحدادة والنجارة وسواها من الأعمال الشاقة التي لا تحتملها نعومة أظافرهم ولا أجسادهم.
أحمد اللحام (11 عامًا)، طفل نزح من مخيم اليرموك في سوريا بسبب الحرب الدائرة هناك، يساعد والده في العمل على بسطة خضار في المخيّم، لإعانته على إعالة الأسرة. فأحمد ترك مقاعد الدراسة، لعدم قدرة والده على دفع مستلزمات تسجيله في المدرسة، على حد قوله.
يعمل أحمد على "البسطة" حتى ساعات المساء، يقول: "أشعر كثيراً بالتعب أثناء العمل، أودّ العودة إلى المدرسة لمتابعة دراستي، والّعب مع أصدقائي بدلاً من الوقوف في أزقة المخيّم بانتظار زبون يشتري الخضار".
وتشير مديرة "مركز النجدة الشعبية" في مخيّم شاتيلا، أم نادر، في حديثها لـ"وكالة القدس للأنباء"، إلى أن تنامي عمالة الأطفال في المخيم، سببها بالدرجة الأولى الأزمة الاقتصادية، كما أن الحالات الزوجية الاجتماعية غير المستقرة تزيد من تأثيرها على حياة الأطفال."
وبالنسبة للآثار السلبية الناتجة عن عمالة الأطفال، قالت أم نادر: "حرمان الأطفال من الحصول على التعليم، أولى الآثار السلبية التي تهدد مستقبلهم، ناهيك عن ظروف العمل الصعبة التي لا تتناسب مع الحالة النفسية، والجسدية، والعقلية للطفل، بالإضافة إلى حرمانهم من التمتع بطفولتهم كسواهم من الأطفال".
وتابعت: "والجدير بالذكر تلك الإصابات الخطيرة التي قد تنتج عن العمل، مثل المخاطر التي قد تصيب طفل يعمل عند حداد أو نجار. فالأوضاع المعيشية الصعبة التي رافقت حياة الفلسطيني في مخيّمات لبنان، دفعت بالأهالي للجوء إلى توفير عمل لأطفالهم، بغية التغلب على صعوبة الظروف الحياتية".
وختمت أم نادر حديثها لوكالتنا، داعية الهيئة التعليمية في وكالة "الأونروا" ، معالجة حالات التسرب المدرسي ومنع الأطفال من دخول سوق العمل، عبر توفير الخدمات الاجتماعية للعائلات الفقيرة داخل المخيم، كما دعت إلى تفعيل دور المؤسسات، التي يتوجّب عليها رعاية الطفل وتوعيته واقتلاعه من أزقة المخيّم وإبعاده عن الآفات التي قد يتعرض لها، كاللجوء للمخدرات أو السرقة وسواها.
عمالة الأطفال في المخيمات مشكلة خطيرة يجب أن تتضافر الجهود من أجل حلها، فتوفير حياة كريمة وبيئة سليمة للأطفال من شأنه أن يبعدهم عن الاستغلال في الأعمال الشاقة، ويجنبهم الانحراف، والانخراط في ممارسة أعمال العنف والسرقة والأعمال المشبوهة.
فهل تبادر الجمعيات والمؤسسات التي تملأ زواريب المخيم لمعالجة هذا الوضع وانتشال الأطفال من المصير المجهول الذي ينتظرهم؟..


