/مقالات/ عرض الخبر

"لتزُل الحواجز!"

2023/04/10 الساعة 10:28 ص
حواجز الإذلال الصهيونية
حواجز الإذلال الصهيونية

بقلم: راغدة عسيران

هي الحملة التي أطلقتها "سرايا القدس" (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين) بالضفة الغربية المحتلة، لإزالة الحواجز الصهيونية المنتشرة في كافة انحاء الضفة الغربية، بما فيها القدس. لقد أعلنت في بيانها الصادر يوم 7/4/2023: "حالة الاستنفار العام لاستهداف حواجز الاحتلال في كل مدن ومخيمات وقرى الضفة والقدس المحتلتين وجعلها تعيش الرعب في حملة جهادية مباركة تحت عنوان: (لتزول الحواجز ) تحت ضربات المقاتلين الأبطال". الحواجز الصهيونية هي أدوات قاتلة تضبط تنقّل الفلسطينيين بين المدن والبلدات وتراقبهم، وتميّز "الجيّد" من "المشتبه به" بالنسبة لكيان العدو وضباطه.

لقد زرع كيان الاحتلال ما يقارب من 700 حاجزا يقطّع الضفة الغربية، واعتبر بعضها معابر بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، لكن أغلبها داخلية، منها عسكرية ثابتة ومنها نقاط تفتيش متحرّكة. الحواجز هي نقاط إذلال وقهر، تعطّل حياة سكان البلاد الأصليين وطموحاتهم، ومصيدة للمناضلين والمجاهدين، حيث يتم اعتقالهم أو اغتيالهم بذرائع مختلفة، والأكثر شيوعا أنهم حاولوا طعن أحد الصهاينة المدججين بالسلاح.

تمثل الحواجز الصهيونية أولى الأدوات المادية لتجزئة الشعب الفلسطيني الى مجموعات بشرية، وتجزئة أرض فلسطين الى جزر محاطة بالمستوطنات اليهودية القابلة للتوسع، تمهيدا لإزالتها. لذلك، من البديهي ان يتم استهداف حواجز الاحتلال والعمل على إزالتها، كخطوة نحو توحيد نضال الشعب وتوحيد الأرض وساحات المقاومة، تطبيقا لما دعا اليه القائد زياد النخالة، قبل أشهر، عندما خاطب المجاهدين بالقول: "هاجموا الحواجز واقطعوا الطرق على المستوطنين".

منذ ذلك الحين، لا يمر يوم إلا وتهاجم "كتيبة جنين" حاجزالجلمة، الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 ومنطقة جنين، والذي يشهد يوميا إذلال المواطنين الذين يتوجهون الى فلسطين المحتلة للعمل، أو غيره (سالم أو يعبد) كما تهاجم "عرين الأسود" حاجز حوارة وغيره (عورتا، زعترة)، الذين يفصلون بين مدينة نابلس وسائر مدن الضفة الغربية، وتهاجم الكتائب المتشكلة في مدن ومخيمات الضفة الغربية حواجز أخرى (قبل أيام، هاجمت كتيبة طولكرم حاجزي جبارة والطيبة)، كونها تمثّل غطرسة كيان العدو وهمجيته.

الحواجز التي يضعها العدو في الضفة الغربية للضبط والمراقبة والإذلال والقتل هي حواجز مادية، لكن هنالك حواجز من نوع آخر، تقف أمام توحيد نضال الشعب الفلسطيني أولا، وتوحيد شعوب الأمة ثانيا، وهي حواجز معنوية وذهنية، يكرّس وجودها المجتمع الدولي والناطقين باسمه يوميا، والتابعون له في مختلف الدول العربية. فهي حواجز تكرّست بعد تجزئة المنطقة ورسم حدود مصطنعة وفقا لنفوذ الدول الغربية الامبريالية ومصالحها، يغذّيها الكيان الصهيوني الذي يحميها ويراقبها ويضبطها.

وبهذا المعنى، يكون الكيان الصهيوني الشرطي الذي يحمي أيضا المصالح الغربية الامبريالية بمنع الوحدة التي تسعى اليها الشعوب.

في فلسطين، إضافة الى الحواجز العسكرية التي يعتبرها العدو معابر، والتي تفصل بين الضفة الغربية من جهة وقطاع غزة من جهة أخرى عن الأراضي المحتلة عام 48، سادت قبل عقود لدى الفلسطينيين حواجز معنوية تفصل بين شطري الوطن (المحتل عام 48 والمحتل عام 67)، ما ولّد مسار اتفاقيات أوسلو وطرح "حلّ الدولتين"، أي دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة الى جانب "الدولة الصهيونية". رغم تراجع تأثير هذا الحاجز المعنوي على أداء الشعب الفلسطيني، بسبب وجود القدس والمقدسات والمسجد الأقصى خاصة، وهي الأماكن المقدسة الجامعة للكل الفلسطيني مقابل اليهودي الصهيوني المستوطن، لا زال هذا الحاجز يلعب دورا لدى نخبة سياسية واقتصادية تتطلّع الى مواطنة "إسرائيلية" كاملة داخل المستوطنة الكبرى، حيث ترى هذه النخب أن مصالحها تقف مع ديمومة المشروع الصهيوني الملطّف والمعدّل. فتطرح مشاريع تسوية وبرامج سياسية على أساس هذه الحواجز الذهنية، التي سرعان ما تنسفها أولّ عملية فدائية ينفذّها مجاهدون من الداخل، فتضطر الى إعادة حساباتها وبرامجها وطموحاتها.

الحواجز المعنوية التي تفصل أو تضبط العلاقة بين الشعوب العربية والشعب الفلسطيني تقف على أساس حدود مصطنعة رسمها الاستعمار الغربي والتي يكرّسها يوميا المجتمع الدولي في تعامله مع هذه الشعوب وحكوماتها.

قبل أيام، أطلقت المقاومة الفلسطينية صواريخ من جنوب لبنان باتجاه منطقة الجليل، شمال فلسطين المحتلة، دفاعا عن المسجد الأقصى المستباح يوميا من قبل الصهاينة، وكانت قد أطلقت صواريخ من قطاع غزة قبلها ولنفس السبب. فلم تردع العدو بيانات الاستنكار العربية والإسلامية والدولية التي صدرت بعد الهجمات الوحشية على المصلين والمعتكفين في المسجد الأقصى المبارك، وبعد الحملات الهمجية على هذا المكان المقدّس، حيث يتم تدنيسه وتكسير وتمزيق محتوياته، وكأنه حارة أو سوق أو مبنى سكني عادي. لم يرتدع نسبيا العدو عن أفعاله الهمجية إلا بالصواريخ التي أطلقتها المقاومة والتي أنذرته أن الآتي قد يكون أصعب له.

أظهرت ردود الفعل على إطلاق الصواريخ مدى تجذّر الحواجز المعنوية في أذهان، ليس فقط النخب الحاكمة والمتسلطة في الدول العربية والإسلامية، بل أيضا في أذهان شرائح من المجتمعات العربية، التي اعتبرت أن الصواريخ قد تطيح بحالة "الهدوء"، وكأن ما يحصل في القدس والمسجد الأقصى المبارك لا يستدعي نسف هذا الهدوء الكاذب.

لقد اضطرت المقاومة توضيح أن الجهة المقاتلة هي فلسطينية وليست لبنانية، لإضفاء نوع من الشرعية على هذا العمل المقاوم، ورغم ذلك، صعدت أصوات شاذة تدافع عن الكيان "المظلوم" وتستنكر، كما فعلت هيئات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا "الاقتحام". فهم يريدون تكريس الهدوء المبني على حواجز معنوية وهمية أقامها المحتل الصهيوني وأربابه الغربيين والذي يقول ان القدس منفصلة عن فلسطين، والضفة الغربية منفضلة عن قطاع غزة وأحيانا شمالها منفصل عن جنوبها، والجزء المحتل عام 1948 منفصل عن الضفة الغربية، وكل فلسطين منفصلة عن سائر الدول العربية، الكل يجب أن يكون منفصلا عن الكل ويعيش متوهما بأنها دول سيادية، لكن فقط بنظرالشعوب وقواها الوطنية، وليس بنظر الصهاينة وأربابهم الغربيين.

بالنسبة للكيان الصهيوني، المنطقة كلها موحّدة، ومستهدفة ولا معنى لحدودها المادية، بل أكثر من ذلك عندما يدعي أنه يمثّل اليهود في العالم، متجاوزا حدود كافة دول العالم. فهو يحتل ما يستطيع احتلاله، ويشنّ غاراته على أي مكان يريده، ويغتال من يريد اغتياله، في أي بقعة من فلسطين وأي دولة عربية أو إسلامية. لا حدود وحواجز أمامه وأمام أربابه الغربيين.

لقد شنّ  عدة غارات خلال الأسبوع الماضي على الأراضي السورية ولم تستنكر أي جهة غربية هذا العدوان، وقام قبل أسابيع باغتيال القائد الجهادي علي رمزي الأسود في دمشق، ولم تطلق الأمم المتحدة، ولا الدول العربية الراعية لاتفاقيات مع كيان العدو وغيرها، أي بيان استنكار أو شجب، وكأنها غير معنية بما يحصل بين الفلسطينيين والمستوطنين الصهاينة. فهي تكتفي غالبا بإضافة صوتها الى أصوات الهيئات الدولية، وإن كانت قرارات هذه الهيئات ظالمة ومعادية لمصلحة الشعوب. هكذا يتوهمون بأنهم سياديون على بقعة من هذا الوطن الكبير، الذي يستحيل أن يعيش بكرامة وهدوء منفصلا عن القدس وفلسطين.

 

 

 

 

 

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/192136