قائمة الموقع

هل يوحّد دم الشهيد محمد العصيبي المجتمع الفلسطيني في الداخل ؟

2023-04-03T12:03:00+03:00
تشييع الشهيد الدكتور محمد العصيبي
بقلم: راغدة عسيران

استشهد مساء يوم الجمعة 31 آذار/مارس، مباشرة بعد الذكرى الـ47 ليوم الأرض المجيد، الشاب الطبيب محمد العصيبي (26 عاما) من قرية حورة في النقب المحتل، قرب باب السلسلة بالبلدة القديمة في القدس المحتلة. خلافا لاداعاءات الشرطة الصهيونية، لقد تم إعدام الشهيد محمد العصيبي بدم بارد، عندما حاول حماية فتاة فلسطينية أثناء اعتداء جنود الاحتلال عليها، حيث قال شاهد عيان: "وقبل أن يصل إلى الفتاة المقدسية كانت رصاصات الغدر الصهيونية قد اخترقت جسده ليرتقي شهيدًا على أبواب الأقصى". وجاء في بيان حركة الجهاد الإسلامي: "لقد جاءت هذه الجريمة كتعبير عن أحقاد وعنصرية جنود الاحتلال الارهابيين الذين أغاظهم مشهد زحف المصلين بمئات الآلاف الذين امتلأت بهم ساحات الأقصى في صلاة الجمعة".

ردا على الجريمة، أعلن المجلس المحلي في قرية حورة بالنقب يومين من الحداد وأعلنت بلدية رهط الإضراب الشامل لمدة يومين، مؤكدة في بيانها أن "الشهيد المرحوم تم تصفيته بدم بارد إثر تدخله من باب النخوة لمحاولته مساعدة امرأة يتم الاعتداء عليها أمام عينيه من قبل عناصر الشرطة". دعت لجنة المتابعة للجماهير العربية في الداخل المحتل الى الإضراب العام والشامل يوم الأحد 2/4، كما دعت الى تنظيم وقفات شجب في مختلف البلدات الفلسطينية، وقد تمت هذه الوقفات يوم السبت في كل من عرابة الجليل، وطمرة وحورة، وقررت لجنة المتابعة تحويل جنازة الشهيد يوم الأحد الى مظاهرة جماهيرية حاشدة ضد "كل سياسات الاحتلال والقمع والتمييز العنصري"، كما جاء في بيانها.

خلال اجتماع لجنة المتابعة، قال رئيسها محمد بركة أن "ارتكاب هذه الجريمة، يأتي ضمن استهداف الاحتلال للتواجد الفلسطيني في القدس والأقصى". وأكد بأن "الرد يجب أن يكون بتكثيف شد الرحال إلى المسجد الأقصى والقدس في هذه الأيام تحديدا من شهر رمضان المبارك". وأشار إلى أن "الإجراءات التي نتخذها ردا على الجريمة، هي أيضا ضد كل سياسات هذه الحكومة، وآخرها قرارها بنشر عصابات مسلحة في مجتمعنا العربي، تحت تسمية (حرس قومي) يقودها تلميذ مئير كهانا، ايتمار بن غفير، وبتأييد كامل مع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ومشاركة عصابات المستوطنين، ونؤكد أن كل هذه السياسات لن تردعنا وسنعرف كيف نتصدى لها".

هل سيتمكن دم الشهيد محمد العصيبي من توحيد الساحة في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948؟ وهل سيتمكن من رفع سقف المواجهة بين فلسطينيي 48 وقوات الاحتلال، نظرا الى التحديات التي يواجهونها منذ تأليف حكومة نتنياهو الأخيرة، والتي لا تخفي أنها تستهدف الشعب الفلسطيني بأكمله، وأن الأرض الفلسطينية، من النقب الى الجليل ومن القدس وجنين الى الأغوار، مستهدفة بالسرقة والتهويد؟

يواجه المجتمع الفلسطيني في الداخل تحدّيات كبيرة، وذلك قبل وجود حكومة نتنياهو الأخيرة، أهمها موجة الجريمة التي تحصد يوميا الارواح من الفلسطينيين في معظم المناطق، رغم الوقفات الاحتجاجية التي ندّدت بتواطؤ الشرطة والمخابرات الصهيونية مع المافيات المجرمة. يواجه أيضا تهويد مدن الساحل (يافا، عكا، اللد خاصة) بزرع "الأندية التوراتية" فيها. ويواجه سرقة الأرض في النقب وتدمير قراها حيث يناضل أهلها، وخاصة في قرية العراقيب، منذ عشرات السنين لمنع إزالتهم عن الوجود. كما يواجه هدم المنازل بحجة عدم الترخيص، حيث يعاني المجتمع الفلسطيني من أزمة سكن حادة، بعد رفض الصهاينة إقامة مدن فلسطينية جديدة وتوسيع مسطح البلدات والقرى الموجودة من أجل السكن، وذلك من أجل تقليص الوجود الفلسطيني وتشجيع الرحيل.

وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت الهجمة الاستيطانية القمعية ضد المجتمع الفلسطيني، حيث تم التصويت على قانون يمنح للشرطة الصهيونية صلاحيات اقتحام البيوت وتفتيشها دون أمر المحكمة ، أي بيوت الفلسطينيين أساسا. وقد ندّدت لجنة المتابعة بقرار تشكيل ميليشيات تحت أسم "حرس وطني" حيث اعتبرت في بيان أن "بلغ التصعيد الفاشي ذروته عندما أعلن عن إقامة ميليشيا شخصية تحت أمر بن غفير، المدان بالإرهاب ضد العرب".

سياسيا، يواجه المجتمع الفلسطيني في الداخل الانقسامات بين الأحزاب المشاركة في الكنيست الصهيوني، وتفككها الى ثلاثة لوائح في الانتخابات الأخيرة، بسبب تباين المواقف من الأحزاب الصهيونية وتباين برامجها وخطها السياسي فيما يخص المطالب القومية والمدنية، في حين تصاعدت الأصوات الداعية الى مقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني والعمل من أجل تمكين لجنة المتابعة العليا من خلال انتخابات تجعلها ممثلة للمجتمع الفلسطيني في الداخل. ترفض بعض الأحزاب المنتفعة من حالة الشلل والضعف التي تعاني منها  لجنة المتابعة هذه المقترحات التي قد تنهض بالمجتمع وتؤسس لبناء جبهة فلسطينية متينة وشاملة في مواجهة كل التحديات.

إضافة الى هذه الأوضاع الخاصة به، يشارك المجتمع الفلسطيني في الداخل الهمّ الأكبر وهو وجود هذا الكيان الاستيطاني على أرضه وفي وطنه، والذي يسعى الى تهويد فلسطين ومدنها وعاصمتها القدس، والمقدسات، أهمها المسجد الأقصى، ويوسّع مستوطناته على حساب الفلسطينيين، ويعتقل الآلاف في سجونه التي تفتقد الى أدنى مقومات الحياة.

في الآونة الأخيرة، خرج العشرات من الفلسطينيين في الداخل المحتل في مظاهرات ووقفات احتجاجية، أمام سجن الرملة، تضامنا مع الأسرى، الشيخ خضر عدنان والمفكّر وليد دقة والأسير خليل عواودة وطالبوا بالافراج عنهم، بسبب وضعهم الصحي الخطير. وقبلها، تضامن العشرات مع أهل بلدة حوارة المنكوبة، التي يعاني أهلها من الهجمات الإرهابية الصهيونية منذ أسابيع، والتي طالبت أصوات صهيونية رسمية محوها من الوجود بسبب مقاومة أهلها. ولم يترك فلسطينيو الداخل مدينة القدس والأقصى منذ عشرات السنين. فهم يسيّرون الباصات من كل المناطق الى القدس لدعم أهلها وللصلاة في المسجد الأقصى، ويرابطون فيه، رجالا ونساء، أطفالا وشيوخا، إذ يشكلون، الى جانب المقدسيين، النواة الصلبة المعتكفة أيام شهر رمضان، التي تتحدى بوجودها مشروع التهويد. لقد مثّل الشهيد محمد العصيبي هذه الفئة المخلصة لدينها ووطنها.

بسبب الهجمة الشرسة ضد الكل الفلسطيني، لم يعد أمام المجتمع الفلسطيني في الداخل وأحزابه وقواه السياسية والاجتماعية حلا من أجل البقاء والعيش بكرامة في الوطن إلا مواجهة المحتل والاشتباك معه، والالتفاف حول المقاومة والقدس والأسرى، القضايا الجامعة للشعب الفلسطيني. لقد صدرت أصوات من الصهاينة تطالب الفلسطينيين المشاركة في احتجاجاتهم ضد الحكومة، أي الاندماج في مجتمع المستوطنين والتخلي، بالتالي، عن انتمائهم الى قضيتهم والانخراط في معركة الشعب الفلسطيني ضد العدو. لم يستجب فلسطينيو الداخل إلا قليلا لهذه الأصوات، بسبب الطابع الصهيوني الواضح للمظاهرات، ما يشير الى عمق انتمائهم الى شعبهم وقضيتهم ومعركته ضد الكيان الاستيطاني، كما أثبتته مشاركتهم بقوة في هبة الكرامة (أيار 2021)، من أجل القدس والمسجد الأقصى وأهالي حي الشيخ جراح، وتنديدا بالعدوان على قطاع غزة، ودعما للمقاومة.

اخبار ذات صلة