في يوم 14/2/2023، قامت جرافات الاحتلال بهدم أربعة منازل لعائلة "أبو عيش" العكاوية، المقامة منذ أكثر من 70 عاما في البلدة القديمة. لم تفلح محاولات العائلة لوقف الهدم الذي قررته بلدية الاحتلال، باللجوء الى القضاء، حيث وافقت المحكمة المركزية في حيفا على عملية الهدم. فاضطرت العائلة الى نصب خيام مكان البيوت المهدمة لإيواء أفراد العائلة المشردين، لكن أقدمت سلطات الاحتلال، بحماية مشددة من قوات الشرطة، في يوم 13/3 الى هدم الخيام واعتقال ثلاثة أفراد من العائلة.
قبل أيام، شارك عشرات الفلسطينيين في وقفة احتجاج وتضامن، أمام بلدية عكا الاحتلالية ونصبت العائلة المنكوبة خيمة اعتصام أمامها، احتجاجا على هدم المنازل والخيام، كون البلدية اليهودية هي المسؤولة عن سياسة الهدم والتهويد التي يتم تنفيذها في مدينة عكا، كذراع للسلطة السياسية الصهيونية.
هدم هذه المنازل حلقة من حلقات سياسة التطهير العرقي التي يمارسها كيان العدو في مدينة عكا وسائر المدن التاريخية الفلسطينية التي أطلق عليها اسم "المدن المختلطة"، لمحو الطابع الاستعماري الاستيطاني للغزو اليهودي، وللتغطية على عملية التهجير الممنهجة بحق الفلسطينيين، أهل البلاد، التي يتّبعها منذ احتلالها في العام 1948. فسياسة التطهير العرقي التي تنفذها حكومة بنيامين نتنياهو الاستيطانية الفاشية لا تقتصر على الضفة الغربية والقدس، بل تشمل الأراضي المحتلة عام 1948، مدن الساحل والنقب والجليل والمثلث، من خلال هدم المنازل وتوسيع المستوطنات اليهودية وسرقة الأرض وتجريفها وطمس المعالم الفلسطينية العربية في المدن التاريخية وتبديل أسماء الشوارع والمدن والقرى والجبال بأسماء يهودية، غريبة عن تاريخ المنطقة وبيئتها الحضارية.
استعادت السلطات الصهيونية سياسة التطهير العرقي في مدينة عكا، بعد إدراج البلدة القديمة كمكان سياحي من قبل اليونسكو في العام 2000، حيث بدأت المشاريع التهويدية بحجة التطوير، وكانت قبل ذلك قد أهملت المكان ولم تخطط لأي مشروع يدعم السكان على البقاء وتحسين أحوالهم. بعد العام 2000، تراكمت مشاريع "التطوير" التهويدية، أهمها تدمير المنازل التاريخية في البلدة القديمة حيث كان قد تم تجميع العائلات الفلسطينية (من أحياء عكا المختلفة والقرى المجاورة) بعد النكبة بقوة السلاح و"القانون".
في المدن الفلسطينية التاريخية، يتم التهويد بذريعة التطوير. في حين أن مفهوم التطوير يعني، في معظم الدول، التغيير نحو الأفضل بالنسبة للسكان والمواطنين، فإنه يعني التهويد لدى الكيان الصهيوني ومؤسساته، أي استبدال الفلسطينيين بالمستوطنين اليهود الذين يجلبهم من أنحاء العالم من أجل تحقيق حلم "الدولة اليهودية" على أنقاض فلسطين، وتدمير المعالم الفلسطينية العربية والإسلامية، أو تشويهها. لقد عبّر وزير مالية الكيان، الفاشي بتسلئيل سموتريتش، عن نظرة الصهاينة الى الفلسطينيين، نافيا وجود الشعب الفلسطيني، لتبرير سياسة الإبادة والتطهير العرقي التي تنفذّها حكومته.
في الوقت الذي كان فيه الصهاينة يستولون على البيوت الفلسطينية في كافة أحياء عكا ويبنون أخرى على الأراضي المسروقة، منعت سلطات العدو والمؤسسة الخاصة بالسكن، شركة عميدار، الفلسطينيين من ترميم بيوتهم في البلدة القديمة وتحسينها، بانتظار المشاريع "التطويرية" التي ستقام على حسابهم. فجاءت هذه المشاريع في بداية الألفية، عندما تم إقرار خارطة هيكيلية خاصة بمدينة عكا القديمة.
يقول سامي هواري المختص بشؤون المدينة أن "ما تعاني منه مدينة عكا هو طرد حضري الذي يعني تبديل السكان الضعفاء اقتصاديًا واجتماعيًا وهم العرب وإحضار سكان أقوياء اقتصاديًا واجتماعيًا وهم اليهود. وبدأ ذلك بشكل ممنهج عام 2007 عندما تم إقرار خارطة هيكلية خاصة بمدينة عكا القديمة.. من ضمن الخطة تم تغيير الأحياء والأهداف من الأحياء، مثلا حي للإسكان أصبح حيًا للترفيه.. وبدأ ينعكس ذلك على جودة حياة المواطنين العرب".
إضافة الى المباني السكنية، التي يتم هدمها أو تغيير بيئتها لإكراه ساكنيها الفلسطينيين على الرحيل، لقد تم تهويد وتشويه المباني الأثرية في البلدة القديمة، وتدخّل مال الاستثمار اليهودي الغربي للقضاء على المعالم التراثية وتحويل المباني الى فنادق، كما يحصل اليوم في مبنى خان العمدان الشهير، بحجة "التطوير" وجعل من مدينة عكا مدينة يهودية سياحية.
تتجلى سياسة التهويد أيضا باستقدام المستوطنين اليهود الجدد، أي ما يسمى ب"الأنوية" اليهودية، وخاصة بعد اندحار الاحتلال عن قطاع غزة في العام 2005. لقد تم تشجيع الاستيطان المديني في أكثرية المدن الفلسطينية التاريخية، لمنع توسّع الديمغرافيا الفلسطينية ومحاصرة الفلسطينيين في أقل مساحة أرض ممكنة. في مدينة عكا، التي يقارب عدد سكانها ال46 ألفا نسمة، بلغ عدد الفلسطينيين 17 ألف نسمة، أي أنهم يشكلون 35% من نسبة السكان، ما أثار مخاوف الصهاينة، وسرّع سياسة التهويد عن طريق زيادة عدد المستوطنين.
اعتبر الباحثون في شؤون الاستيطان الصهيوني أن عملية استيطان من نمط جديد تجتاح المدن الفلسطينية في الداخل، كون هذه "الأنوية اليهودية" المقامة في المدن نتيجة عمل مشترك بين المجتمع المدني (الجمعيات الاستيطانية) والمؤسسات الرسمية (البلدية والحكومة) والمال (الاستثمار المحلي والدولي)، بهدف طرد الفلسطينيين من أرضهم ومدنهم، ولم تعد مشاريع حكومية ورسمية، كما كانت المستوطنات سابقا.
واجه العكاويون سياسة التهويد، منذ البداية. فقد تصدوا لهدم المنازل في البلدة القديمة وشنّوا حملة شعبية وإعلامية في العام 2013 ضد بيع الأماكن الأثرية الى المستثمرين، وأفشلوا مناقصة لتحويل حيّ البرج الى فندق، ومنعوا إخلاء الفلسطينيين الذين يسكنون الحيّ وطمس معالم مسجد البرج، كما أفشلوا مرات عدة المناقصة لتحويل خان العمدان التاريخي الى فندق، في حملة اطلقوا عليها عنوان "عكا مش للبيع"، قبل أن تتم المناقصة الأخيرة في العام 2019، حيث فازت شركة "إسرائيلية" التي تنوي انشاء فندقا فاخرا في الخان.
من ناحية أخرى، تصدى العكاويون لسياسة التهويد من خلال انتفاضة العام 2008، التي كانت ردا شعبيا واضحا على إقفال المدينة بسبب الأعياد اليهودية، حيث أرادت المؤسسات الصهيونية الرسمية تكريس التهويد والتفوق الديمغرافي اليهودي في المدينة. ثم جاءت هبة الكرامة في أيار/مايو 2021 حيث شارك فيها أهل عكا وصبّوا غضبهم على المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وعلى المستوطنين الصهاينة، الذين تجنّدوا وتسلّحوا وهجموا على الأحياء والبيوت الفلسطينية لترهيب الفلسطينيين.
لقد تم اعتقال المئات من أهل عكا خلال وبعد هبّة الكرامة، في حملة قمعية ترهيبية واضحة، وما زال 34 شابا منهم معتقلا، منهم بـ"الحبس المنزلي". يواجه المعتقلون الأحكام العالية التي تفرضها السلطات الصهيونية عليهم (حُكم الأسير أدهم بشير بالسجن 10 سنوات)، الذين يدانون في المحاكم بتهم ملفّقة في أغلب الأحيان (الأسير فؤاد ماضي وأخوه أحمد اللذين وجهت لهما تهمة "القيام بأعمال تخريب وتكسير"). لقد أثبت المحامون أن أغلب التهم الموجّهة الى المعتقلين بُنيت على اعترافات تمت تحت التعذيب الجسدي والمعنوي، كالأسير آسي حوراني ( 52 عاما)، ما يؤكد أن المحاكم الصهيونية ليست إلا ذراعا للمؤسسة الاستعمارية التي تريد طرد وقمع الفلسطينيين.
في ظل غياب الأحزاب العربية للدفاع عن مدينة عكا وأهلها، من التهويد والقمع، تحرّكت بعض الجمعيات المحلية وأخذت على عاتقها مهمة التصدي لسياسة التهويد، عبر مبادرات شبابية، لأنها أدركت أن سياسة التهويد تطال الجميع.
كتب "جهاد ريا" قبل سنوات "أن النضال هو الطريق لإفشال مخططات السلطة لتهويد وتهجير المدينة، وان هذا الأمر ليس بالمستحيل، وإنما يحتاج إلى قناعة بقدرتنا على الصمود، والتصدي".