يحتفل المسلمون في لبنان كغيرهم من بلدان العالم الإسلامي بحلول النصف من شهر شعبان من كل عام، بصيام هذا اليوم المبارك كسنة مستحبة، وشراء أصنافٍ متنوعة من الحلويات الخاصة بهذه المناسبة، والتي اشتهرت بـ"حلو النصف من شعبان". ولكن هذا العام يختلف عن غيره من الأعوام السابقة، فالأمور المادية شحيحة لدى الكثير من المواطنين الذين اكتفوا بصيام اليوم، وشراء القليل من الحلويات، بالقطعة أو النصف كيلو كحد أقصى، وذلك ابتهاجًا بهذا اليوم العطر، واقتراب حلول شهر رمضان المبارك.
العاصمة اللبنانية بيروت، اليوم تكاد أن تتخلى تماماً عن طقوسها وعاداتها، لولا الجيل القديم، الذي يعتبره تقليدا اجتماعيا يسبق شهر رمضان. فتقلصت الاحتفالات بسبب الأحوال الاقتصادية والأمنية التي ألقت بثقلها على جيب المواطن. وحدها محال الحلويات وعمالها يشعرون بالفرق الكبير بينه وبين الأيام العادية لا سيما في ظل تحليق الدولار وارتفاع أسعار المواد الغذائية المستخدمة بالحلويات.
الأجواء عادة ما تكون جميلة، حيث تخرج صواني المشبك والمعكرون والعوامات والجذرية إلى الواجهة. يتجمهر الزائرون تحت زينة تكاد هي الأخرى أن تختفي مع الوقت. وهذه العادات في لبنان تعتبر قديمة ومحببة لا تخلو من أناشيد وتهاليل وخيم منتشرة في الأحياء توزع الحلوى على المارة، مشيرة إلى اقتراب شهر رمضان الكريم.
بدورها، تحيي المساجد الكبيرة في تلك الليلة بالمجالس الدينية والمدائح النبوية التي تقربنا إلى الله. حيث اعتادت المخيمات الفلسطينية في لبنان لا سيما مخيمي صبرا وشاتيلا على إقامة تلك الطقوس، ولكن في الآونة الأخيرة بدأت تتقلص تلك المظاهر تدريجيًا بسبب غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الحلويات.
لقد غابت عن المشهد هذا العام عربات الحلويات الجوالة في أرجاء المخيم التي اشتهر بها، حيث الأبناء توارثوها عن الأباء والأجداد حتى أصبحت تراثًا يأبى الإندثار. ولكن ترى ما الذي جعل تلك المظاهر تبدو خافتة وباهتة هذا العام؟
حملت "وكالة القدس للأنباء" هذه التساؤلات، واتجهت نحو أصحاب المحال والعربات الجوالة للحلويات في مخيم شاتيلا، للبحث عن الإجابات الشافية، وهم الذين أكدوا في حديثهم بأن غلاء المواد المستخدمة في صنع الحلويات أثَّر كثيرًا على نسبة المبيع لديهم.
صاحب عربة الحلويات الجوالة، معين السكجها، من سكان مخيم شاتيلا، توارث هو وإخوته الثلاثة عن والدهم مهنة صناعة الحلويات العربية. كعادته من كل عام يبدأ بجولته في أرجاء المخيم حتى يستقر به المطاف أمام جامع الدنا في سوق صبرا، حيث يبيع الحلويات اللذيذة للمارين وأصحاب بسطات الخضار والمتسوقين. وينهي نهاره بالحمد لله .. "نفقنا".
أما في ما يخص مناسبة حلول ليلة النصف من شعبان، فقد كان يحضَر لها قبل يومين، تشتم رائحتها عن بعد، الزيت المقلي والقطر، فيما لذ وطاب من أصناف: العوامات والمعكرون والمشبك وغيرها.
يقول بحرقة: "في ظل الغلاء الفاحش ودولرة الأسعار لكافة المواد كالزيت والطحين والسكر والغاز، فإن هذه السنة الوضع أكثر سوءًا من سابقاتها التي تخللها إقفال للبلد جراء أزمة كورونا، حيث حالت بينها وبين شرائها. أي لا إقبال كثيف على شراء الحلويات العربية بالرغم من سعرها المنخفض مقارنة مع باقي المحال المشهورة حيث كيلو المشكل 200 ألف ليرة في الوقت الذي وصل سعر الكيلو في محال حلويات صفصوف الـ 500000 ألف ليرة.
ويقول صاحب محال حلويات الجزار، أبو محمد لـ"وكالة القدس للأنباء"، بأن حاله حال معظم البائعين، فالإقبال على شراء الحلويات العربية وخاصة الجزرية التي اشتهر بها المحل ضئيل جدًا كون سعرها تضاعف أشواط وقد وصل 600000 ألف ليرة، فمن كان يشتري بالكيلو أصبح يكتفي بالنصف كيلو أو بالوقية".
والفت إلى أن "القلة القليلة الذين مازالوا يحافظون على هذه الطقوس والعادات، أي أن الجيل الجديد بعيدًا كل البعد عن هذه الأمور والعادات، ولكن يبقى من هو متمسك بها، فيأتي لشراء الحلويات ولو بالشيء القليل".
أمام هذا الواقع الاقتصادي المنهار الذي أفلس جيوب الأهالي في مخيم شاتيلا، نتساءل مع الكثيرين، إذا كان اللاجئون الفلسطينيون يجدون صعوبة جمة في تحصيل لقمة عيشهم، في الأيام العادية، فكيف ستكون أحوالهم المعيشية في ظل شهر رمضان المبارك؟..