/مقالات/ عرض الخبر

العدو يخترع عدواً خارجياً لتبرير عجزه

2023/01/02 الساعة 10:50 ص

بقلم: راغدة عسيران

في المقابلة التي بثتها ""تويتر سبايس" الميادين" مساء الخميس 29 ديسمبر/كانون الأول 2022، ردّ القائد زياد النخالة، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، على السؤال حول دور "محور المقاومة" في تصعيد المقاومة في الضفة الغربية ضد العدو الصهيوني، بثلاث نقاط: الأولى هي أن كيان العدو هو من يتهم إيران بأنها خلف المقاومة الحالية في الضفة الغربية قائلا "إن الخصوم والأعداء يصوّرون المعركة في الضفة وغزة على أنها معركة ضد إيران"، الثانية هي أن "شعبنا الفلسطيني هو الذي يدافع عن نفسه ويواجه إرهاب المحتل"، ما يعني أن الشعب الفلسطيني هو الذي يقاتل العدو اليوم في الميدان، والذي يواجه المحتلين الذين استوطنوا في البلاد ويهددونه يوميا، وثالثا، أن "محور المقاومة له دور مهم في دعم وتعزيز المقاومة في فلسطين"، وبالتالي، المطلوب من الأنظمة العربية والإسلامية "الوفاء بالتزاماتها في دعم الشعب الفلسطيني وكفّ الحصار عنه" ومن شعوب الأمة الدعم المعنوي والاقتصادي "لمساندة شعبنا للاستمرار في صموده وفي مواجهته الاحتلال الصهيوني".

حول النقطة الأولى، ليست هذه المرة الأولى التي يروّج فيها كيان العدو الصهيوني، الى أنه يواجه جهات غير فلسطينية عندما يشنّ حروبه على الشعب الفلسطيني. فهو يستدعي منطق مارسه غيره من الاستعماريين المستوطنين، عندما واجهوا الشعوب الحرّة التي تحاربهم. استخدمت فرنسا هذا المنطق في الجزائر، بادعائها أن النظام الناصري في مصر هو الذي كان يحاربها، واستخدمته الولايات المتحدة في دول شرق آسيا وبعض الدول الإفريقية، متهمة الاتحاد السوفياتي بأنه يقف وراء الثورات الوطنية المعادية للغرب الامبريالي.

يبرّر هذا المنطق استخدام العنف القاتل ضد الشعوب الساعية الى التحرّر بربط نضالها ومقاومتها بصراعات دولية أو إقليمية، لمنع رؤية الصراع على حقيقته، صراع بين شعوب مضطهدة وكيانات استعمارية. قد تتداخل كل الصراعات بعضها ببعض وتتكون الأحلاف أحيانا، لكن يبقى الصراع بين المحتل والشعب المضطهَد هو الأساس.

يشير استقدام "عدو خارجي" مكان الشعب الفلسطيني أو الشعوب المستضعفة الأخرى، الى عنصرية إلغائية لا يمارسها إلا الغرب الإمبريالي، الذي ينكر إمكانية محاربته من قبل هذه الشعوب. فهناك بالنسبة له قوى أخرى تقف خلف الشعب المقهور وتسيّره وفقا لأجندتها، لأن هذا الشعب غير قادر أو غير مهيأ لخوض معركة ضده، وخاصة أن وجوده (أي المستوطن) يجلب لهذا الشعب كثيرا من المنافع، وهو لا يقدرّها لأنه ينتمي الى ثقافة وحضارة غير أوروبية.

لكن الأهم من كل ذلك هو رفض الاعتراف بأن الكيان الاستيطاني المدجّج بالسلاح والتقنيات العالية يقف عاجزا أمام الشعب الفلسطيني، الذي لا يمتلك إلا بعض الأسلحة النارية وما تصنعه عبقريته من أدوات حربية، ليقاتل عدوه. كيف يمكن أن يبرّر عجزه إلا بالادعاء أنه يحارب قوة خارجية (دولة بأكملها)، ليجلب الاستعطاف العالمي اليه وخاصة الدول المطبّعة، ويضع كيانه في صراع عالمي ضد "الإرهاب" كما حدّدته الولايات المتحدة.

لقد استخدم الكيان الصهيوني، وقبله الاستعمار البريطاني، هذا المنطق الباطل في فلسطين: اعتبر الاحتلال البريطاني والمستوطنون الصهاينة خلال الحرب العالمية الثانية، أن المقاومة الفلسطينية والمقاومين العرب من أجل الاستقلال تابعون لدول "المحور" (ألمانيا الهتلرية خاصة)، والحملة التضليلية ضد المفتي الراحل الحاج أمين الحسيني أتت في هذا السياق.

وفي بداية انتفاضة الأقصى، سعى الكيان الصهيوني الى زجّ المقاومة الفلسطينية التي انطلقت ضده لأنه يقتل ويدنّس المقدسات ويسرق الأرض، في الصراع الأميركي والغربي ضد "الإرهاب"، ليظهر نفسه مرة أخرى كضحية قوى عالمية. وآخر مثال على ذلك، عندما يستحضر العدو "داعش" متهما إياها بتنفيذ عمليات بطولية ضده، في حين أن الشعب الفلسطيني، المعني الأول بالتخلص من  الاحتلال ومستوطنيه المجرمين، هو من يقاوم تحت راية "تحرير فلسطين"، بشكل فردي أو فصائلي.

بالنسبة للنقطة الثانية، أي أن الشعب الفلسطيني، بكل فئاته وحركاته المقاومة وفصائله، هو من يواجه الإرهاب الصهيوني وداعميه (الولايات المتحدة أولا)، فالتاريخ المعاصر يثبت ذلك بكل تفاصيله. منذ بداية الغزو الصهيوني الاستيطاني، تحت رعاية بريطانيا، حمل الفلسطينيون السلاح ودافعوا عن أرضهم، وأطلقوا ثورات وانتفاضات، وأسسوا الأحزاب والجمعيات الوطنية، والفرق والتنظيمات المقاتلة العديدة من أجل الدفاع عن الوطن وكنس المستوطنين الصهاينة وأربابهم البريطانيين.

لقد دعمتهم جماعات من الشعوب العربية والإسلامية حضرت الى فلسطين أو الى مخيمات اللجوء للمشاركة في معركة التحرير، التي كان وما زال يقودها الشعب الفلسطيني. لم يكن في ذلك الوقت لا "جمهورية إسلامية في إيران" ولا "حزب الله"، بل التفت الجماهير الإسلامية والعربية التواقة الى التحرّر من التبعية والتجزئة، حول فلسطين التي كانت تمثّل وما زالت، القضية المركزية للأمة، وحول مقاوميها.

واليوم، يناضل الشعب الفلسطيني في كل أنحاء فلسطين التاريخية وفي اللجوء من أجل تحرير وطنه وعودة اللاجئين اليه. وهو ليس بحاجة الى "جهة خارجية" تعطيه الأوامر ليقاوم من يسرق أرضه وبيته ويدهس أطفاله ويحرق مزروعاته ويعذّب شيوخه ويقتل شبابه ورفاقه ويعتقل بناته.

فالجهات الخارجية التي تملي الأوامر هي التي تبتز السلطة الفلسطينية وتفرض الحصار المالي والسياسي عليها لتطويعها وتطالبها بتغيير مناهج التربية في مدارسها وباعتقال المعارضين لنهجها، وتفرض عليها إقامة علاقات تطبيعية مع المحتلين. الجهات الخارجية التي تتدخل في شؤون الشعب الفلسطيني تطمح الى إخضاعه لسيطرة الصهيونية العالمية.  من جهة أخرى، يستمد كيان العدو مستوطنيه وسلاحه وخبراته التقنية والقتالية من دول العالم، التي تساهم بشكل او بآخر بقتل واعتقال أبناء فلسطين وبسرقة أراضيهم ومياههم، تاريخهم وحاضرهم.

لمواجهة هذا التحالف الإجرامي الذي تقوده الولايات المتحدة، إلتفّت شعوب الأمة وأحرار العالم حول الشعب الفلسطيني ومقاومته البطولية وقرّرت دعم صموده، وتشكّل محور المقاومة لامداد المقاومة الفلسطينية بالسلاح والخبرة والمال، ذلك لأن الشعب الفلسطيني يستحق هذا الدعم لمواجهة مخططات ترحيله عن أرضه وإنهاء قضيته. هذه هي النقطة الثالثة من الردّ على السؤال، التي تحدّث عنها الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، القائد المجاهد زياد النخالة، قائلا إن "محور المقاومة له دور كبير في تعزيز المقاومة"، طالبا من شعوب الأمة الدعم الاقتصادي والمعنوي، ومن الأنظمة العربية فكّ حصارها عن الشعب الفلسطيني ودعم صموده، لأن المقاومة الفلسطينية تواجه ليس فقط الكيان الصهيوني، بل تحالف واسع تقوده الولايات المتحدة، يضم الدول الأوروبية والدول العربية والإسلامية المطبّعة ودول وكيانات أخرى في العالم. 

إضافة الى أن فلسطين جزء مركزي من الوطن العربي، وعلى شعوبه دعم مقاومة الشعب الفلسطيني والمساهمة في تحريرها، والتخلص من التبعية للجهات الخارجية التي تتحكم بقرارات معظم الدول العربية.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/188635

اقرأ أيضا