في تقديمه لكتاب "عشاق الشهادة، كوكبة مضيئة من شهداء مخيم جباليا" من إعداد الصحفي الشهيد منير عبدالحي مرسي (1977- 2003)، والصادر عن مؤسسة مهجة القدس (2022)، كتب د. جميل عليان، مسؤول دائرة الشهداء والأسرى والجرحى في حركة الجهاد الإسلامي: "الشهداء هم من يكتبون التاريخ ويمنحوننا قيمة للحياة؛ لأن الشهيد يحيي الملايين وأنهم مراد الله من خلالهم سنهزم الشر ونلاحق الباطل وننشر قيم الحق والطهارة".
تؤكد سرقة الأرشيف الفلسطيني من قبل الصهاينة، من مدن وقرى فلسطين التي احتلها، ثم من مركز الدراسات الفلسطينية في لبنان خلال احتلال العاصمة في العام 1982، وتدميره أو إخفائه، أهمية توثيق المقاومة وسيرة المقاومين، لأسباب عدة.
عندما اجتاحت القوات الإرهابية الصهيونية، خلال سنوات النكبة (1947-1948) المدن والقرى الفلسطينية، أرادت محو أثر الشعب الفلسطيني وكفاحه من أجل حريته. فسرقت ودمّرت كل ما له علاقة بتوثيق المقاومة الفلسطينية والعربية ضد الاحتلال، أي بوادر الأرشيف الفلسطيني للتاريخ المعاصر، وظنّ كيان العدو أن بسرقته للتاريخ، سيقضي على المستقبل.
بعد إقامة كيانه، بثّ روايته الكاذبة عن النكبة، قبلها وبعدها، معتقدا أنه أسكت الشعب الفلسطيني الى الأبد. استعان بعض المؤرخين بهذه الروايات المفبركة، التي لم توثّق إلا وجهة نظر الغزاة، وخاصة بعد أن فتح الكيان "أرشيفه" المسموم للعموم، الذي فضح كيف ارتكب الغزاة الصهاينة المجازر، التي برّرها في معظم الأحيان. فلذلك، ارتكز تاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الغزو الصهيوني والاحتلال البريطاني أساسا على الوثائق التي نجت من النهب والدمار، وعلى الذاكرة والحقائق التي رواها الناجون من النكبة.
لقد صدر في الآونة الأخيرة مذكرات العديد من قياديي الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي يمكن اعتبارها نوعا من التوثيق لمرحلة مهمة من التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني والشعوب العربية. لكن، رغم أهمية المعلومات التي وردت فيها، من الناحية الاجتماعية والسياسية والنضالية، وأحيانا الديبلوماسية، إلا أنها تبقى ناقصة من ناحية توثيق العمل المقاوم اليومي ضد العدو الصهيوني، والتعريف على هؤلاء المقاومين "المجهولين"، في بيئتهم ومجتمعهم وسيرتهم الشخصية، وأفكارهم وعلاقاتهم وانتمائهم السياسي والنضالي. وقد تبقى سيرتهم العطرة سجينة عائلاتهم وأحبائهم وغالبا تنظيمهم السياسي، دون أن تنتقل الى الفضاء الأوسع، الى كل فلسطين والى شعوب الأمة، لتصبح ملك الشعب بأكمله وتتناقلها الأجيال لأهميتها في صناعة المستقبل.
تكمن أهمية توثيق المقاومة وسيرة المقاومين في أنه يرسّخ ثقافة المقاومة في المجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية والإسلامية، مقابل ثقافة الانبطاح أمام الغرب الصهيوني والتبعية له ولرموزه الاستعماريين. يحاول الصهاينة ومن يدعمهم صناعة ثقافة مزوّرة وتشويه سمعة المقاومين باختراع روايات حولهم وتشويه أسباب مقاومتهم، أو كتابة فصول من التاريخ دون ذكرهم وذكر بطولاتهم، لمنع تحويلهم الى أبطال ترشد سيرتهم الأجيال الصاعدة وتلهمها، وهي السيرة التي تبث الأمل بإمكانية مواجهة الغزاة، رغم سلاحهم وقوتهم المادية والدعم الأجنبي لهم.
كما تكمن أهمية توثيق المقاومة وسيرة المقاومين في أنه يمنع إغفال وإقصاء وتهميش بعض المقاومين وأعمالهم من قبل جهات معادية لاستمرار المقاومة ضد الصهاينة وتسعى الى تحويلها الى "وقفات رمزية"، أو تحاول طمس وإلغاء سير بعض المقاومين وانتماءهم والمعارك التي خاضوها، لأسباب حزبية وفئوية، كما ظهر في كتاب حول معركة مخيم جنين البطولية (2002) الذي صدر حديثا، والذي لا يذكر في مراجعه ولا في روايته للمعركة أول توثيق لها كتبها أحد أبطالها، القائد الأسير ثابت مرداوي، تحت عنوان: "نموت في الوطن ولن نغادر". لكن منع التوثيق الحيّ للمعركة، في ذلك الوقت، الى جانب وثائق أخرى وذكريات أهل المخيم، تهميش قوى مجاهدة راسخة امتدت فاعليتها الى اليوم. بالإضافة الى أن توثيق سير المقاومين، الشهداء والأسرى، والكتابة عن حياتهم وبطولاتهم وعلاقاتهم بمجتمعهم، تجعل منهم قدوة وتبث روح المقاومة والانتماء اليها.
تكمن أهمية توثيق المقاومة وسير المقاومين، الشهداء والأسرى، في أنه يوفّر مادة غنية للكتاب والروائيين والفنانين ومنتجي الأفلام والمسلسلات، الفلسطينيين والعرب والأحرار في العالم، من أجل توسيع ثقافة المقاومة من خلال انتاجهم المبني على حقائق وبطولات رائعة سطّرها هؤلاء المقاومون، الذين استشهدوا أم سجنوا.
كتب الراحل د. عبد الستار قاسم، مقدما كتاب "درب الصادقين" (إصدار 2019) عن أهمية التوثيق: "المجد والخلود لا يتمان إلا بالكتابة التي تحفظ في المكتبات وتشكل نبراسا للأجيال القادمة". لقد تعدّدت الأدوات والتقنيات التي يمكن استخدامها اليوم للتعريف على هؤلاء الأبطال، وللترويج لسيرتهم ونقلها الى العالم، لمقارعة الإعلام المعادي الصهيوني والامبريالي، وبناء مجتمع مقاوم يستلهم من سيرة مقاوميه كيف يجب محاربة الغزاة وعدم الالتفات الى الأصوات الشاذة المطالبة بانتظار القرارات الدولية.
من بين المؤسسات المهتمة بتوثيق المقاومة وسيرة المقاومين، أصدرت مؤسسة "مهجة القدس للأسرى والشهداء" في الفترة الماضية عدة كتب، منها كتاب "عشاق الشهادة، كوكبة مضيئة من شهداء مخيم جباليا" من إعداد الشهيد منير عبد الحي مرسي. تقول سيرته الذاتية أنه من مواليد مخيم جباليا، متزوج وأب لثلاث بنات، وقد عمل مراسلا صحافيا لجريدة "الاستقلال" واهتم بالكتابة عن الشهداء، كما خاض اشتباكات مع العدو الصهيوني حتى استشهاده. في هذا الكتاب، يمكن متابعة بعض محطات المقاومة الفلسطينية بعد احتلال فلسطين، من خلال سيرة بعض شبابها اللاجئين الى مخيم جباليا.
في هذا الكتاب، وثّق الشهيد مرسي لسيرة 35 مقاوما شهيدا من منطقة جباليا ومخيمها، من كافة الأعمار والانتماء السياسي والجهادي، وكان استشهادهم في مراحل مختلفة. ما يميّز كتاب "عشاق الشهادة" عن غيره من الكتب الخاصة بسيرة المقاومين الشهداء أو الاسرى، هو تركيزه على منطقة معيّنة، جباليا ومخيّمها، التي كانت شعله مقاومة ضد الغزاة، وما زالت، بسبب البيئة العصية على الانكسار التي ولّدها اللجوء والمخيّم وقيمه الأخلاقية، والروح الثورية المتوارثة منذ النكبة.
فكل سيرة من هذه السير تستحق التوقف أمامها، سيرة الأطفال الذين واجهوا الاقتحامات خلال انتفاضة (1987)، والذين كانوا قد بدأوا مشوارهم النضالي في صفوف التنظيمات (فتح، الجبهة الشعبية، حماس وحركة الجهاد الإسلامي)، في مدارسهم أو في عملهم، لاضطرارهم العمل من أجل مساعدة أهلهم.
كما وثّق سيرة الشهداء الذين حاربوا العدو قبل العام 1967 واحتلال قطاع غزة، أمثال الشهيد البطل عبدالقادر عبدربه عفانة، من مواليد العام 1924 في قرية برير، أحدى أكبر القرى الفلسطينية المحتلة. التحق الشهيد بصفوف مجموعات (مصطفى حافظ) الفدائية وعمل ضمن طلائع المجموعات المسلحة. كان يقوم بتهريب السلاح والمواد التموينية والمطلوبين لقوات الاحتلال. استشهد بتاريخ 8 سبتمبر (أيلول) 1964 في اشتباك مسلح مع العدو.
لقد وثّق الشهيد منير مرسي المعلومات المهمة حول كل شهيد تناوله الكتاب: من أين جاءت عائلته ووضعها الاجتماعي، ميلاده ونشأته، أخلاقه، مشواره الجهادي، اعتقاله في حال تم اعتقاله، وكيفية استشهاده ومتى. فجمع مثلا بعض المعلومات عن "الشهيد البطل أنور زكريا أحمد الشبراوي": هجرت أسرته من قرية جولس في العام 1948، وكان والده يعمل في حقل البناء. لقد واصل تعليمه حتى الجامعة (جامعة الأزهر قسم الشريعة وأصول الدين). شارك في المظاهرات والمسيرات التي كانت تنطلق من مسجد القسام بعد صلاة كل يوم جمعة. والتحق بصفوف الجماعة الإسلامية خلال دراسته في المرحلة الثانوية، ثم عمل في الجهاز العسكري التابع لـ"قسم" (القوى الإسلامية المجاهدة)، واعتقل في سجون السلطة الفلسطينية. نفذ في الأول من أبريل (نيسان) عام 1997 عملية استشهادية مع أخيه الشهيد عبدالله المدهون دفاعا عن القدس.
توثيق سيرة المقاومين، الشهداء والأسرى، مهمة ضرورية لبناء مجتمع يقاوم الظلم. الى جانب السير التاريخية لعظماء الأمة، التي ما زالت تلهم الشعوب. وتشكل سير المقاومين في التاريخ الحديث مقاربة تحاكي الواقع والظروف التي تعيشها الأمة اليوم. فلذلك، هم "يكتبون التاريخ" ويلهمون الأجيال الصاعدة.