/منوعات/ عرض الخبر

خاص/ البيروتي: رواية "مليحة" توثيق لتاريخ من الأسر واللجوء والمقاومة

2022/10/19 الساعة 09:17 ص
الكاتب الأسير المحرر محمد البيروتي
الكاتب الأسير المحرر محمد البيروتي

وكالة القدس للأنباء - ملاك الأموي

يندر أن تجد رواية مسرودة مئة بالمئة، بتفاصيل حقيقية، غير أن الأسير المحرر، الكاتب محمد البيروتي، خرج عن المألوف، ووثّق التاريخ برواية "مليحة"، وهو الذي تعود أصوله إلى قرية صُميل جنوب الخليل، حيث هجر منها العام 1948، واعتقل في العام 1974 وحكم بمؤبدين، قضى منهما 11 عاماً، وخرج في صفقة تبادل للأسرى في العام 1985، وقد صدرت له حتى اللحظة أربعة مؤلفات، هي: "نصب تذكاري 1 و2"، و"الشمس تولد من الجبل"، و"رجالات الصف الرابع"، بالإضافة إلى عمله الخامس، روايته "مليحة"

وللاطلاع على سيرة ومسيرة الكاتب، تواصلت وكالة القدس للأنباء مع الكاتب الأسير محمد البيروتي، الذي تحدث عن عمله الأخير، مليحة، قائلا: إن "مليحة" هي أم فلسطينية وجدّة، هُجِّرت من قريتها عام 1948 لتلتحق بأفواج اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من أراضيهم عام النكبة"، موضحاً "بالنسبة لي شكلت مليحة، نموذجاً للاجئة النمطية التي استوعبت مأساتها رغم عدم فهمها لها.. كيف لمليحة أن تدرك أن ما حصل لها ليس نتاجاً قدرياً، بل هو قرار اتخذته القوى العظمى وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، وحظي بدعم الاتحاد السوفييتي والألمان وسائر القوى الدولية"، مؤكداً أن "الهجرة الفلسطينية ليست نتاج حرب أهلية كما حدث في الهند عام 1948، ولا في غيرها من الدول، هي نتاج هجمة إقصائية عدوانية من دول عظمى اتخذت هذا القرار وطبقته".

وبيّن الكاتب، أن "الرواية تحاول تتبع مسيرة اللجوء للجدة مليحة، الشقراء المرفهة من قرية ميلادها وصولاً إلى مخيم الفوار جنوب الخليل، وما تعانيه خلال رحلتها من شقاء وفقر ودفن للأبناء على جوانب الطرقات. وبالتأكيد فإن مليحة مرافقة بآخرين هم هامش الصورة الفنية ومكملاً لها"، مضيفاً: "على النقيض من "مليحة" تظهر شخصية رضا، إبنتها التي رفضت التسليم بما حدث، فقاومت على طريقتها، رضا لم تستسلم بأن ما حدث كان  قدراً، لكن تمردها لم يأخذ شكل المقاومة فهذا ما لم يكن ممكناً، ولم يكن الأوان قد آن له، المقاومة احتاجت وقتاً حتى تتبلور وتعلن عن تمردها على النكبة واللجوء والنزوح. لذا جاءت مقاومة رضا بأشكال أخرى، التمرد على الحياة، العصبية الفائضة والشجاعة الظاهرة".

نمط تذكري للأحداث

وتابع الكاتب محمد البيروتي حديثه لوكالة القدس للأنباء، مشيرا إلى أن "أحداث الرواية تنطلق من زنازين سجن "بئر السبع"، هي نمط تذكري للأحداث كما يراها مراد، ومراد هو سارد الحكايات كلها والخيط الذي ينظمها، أحداث تنبثق من ذكريات طفولته وشبابه وتستولي على تفكيره بمجرد أن ينحي كتبه جانباً بعد أن تكلّ عيناه، ويستلقي على رقعة الإسفنج الممددة تحته بعد منتصف الليل إلى ما قبل أن يغفو وينام.

هذه اللحظات، الدقائق، الساعات، تمثل لدى مراد عالم الحرية الذي يطمح له، منها ينطلق نحو فضاءاته الفسيحة في عودة تذكرية لمليحة، محمود، رضا، بيت لحم حيث ولد وعاش طفولته الأولى، إلى أمه الثانية حنظلية، مسيحية الديانة، فمراد وُلِد بعيداً بضعة خطوات عن مكان ميلاد المسيح وكنيسة المهد، تلا ذلك رحيله، ومن جوار الكنيسة إلى مخيم الوحدات (في الأردن) الذي شكل لدى مراد جزءاً جوهرياً من ذكرياته، الوحدات لم يكن سجناً، كان بؤرة تغلي في داخلها، ما أن أتيحت الفرصة للمخيم بعد حرب عام 67 حتى أخذ دوره في الطليعة الكفاحية للشعب الفلسطيني. المخيم بالنسبة للفلسطيني هوية نضالية، وهو التصاق بالوطن السليب، الفلسطيني لم يحمل معه اسمه فقط، بل حمل معه قريته وأعاد إحيائها داخل المخيم".

وأضاف: "يستذكر مراد حالات الموت العديدة التي سايرت حياته، الموت المسالم والموت العنيف، الموت المبرر والموت التراجيدي، وعلى هامش هذه الذكريات يجادل مراد ذاته حول الوجود، الدين، الفلسفة، الكتاب، الحرية، الرواية اليهودية الاستيطانية مقابل الحقائق الفلسطينية التاريخية.. والأهم، أن مراد لا يحاول أن يحاكم، هو يترك الحكم للآخرين، يصف الحالة ويتركها للقارئ كي يكوِّن رأيا بذاته، الأسر بالنسبة لمراد مرحلة هامة، وبالذات سجن بئر السبع، حيث تمكن السجناء من انتزاع استقلالية كبيرة في إدارة شؤونهم داخل الغرف المغلقة، أكانت غرفا كبيرة حوت ما يزيد عن 70 أسيراً، أو غرفاً صغيرة مخصصة لإثنين. يصف مراد حالة الصراع بين الأسرى كمجموع، وبين إدارات السجون المختلفة.

وأوضح أنه "على الرغم من عدم تسليم ادارات السجون لما يحدث داخل غرف السجن، ومحاولاتها الدائمة لفرض السيطرة داخل الغرفة كما هو حادث خارجها، إلا أنها تفشل كمحصلة نهائية، غرفة السجن تحولت إلى نوع من "الكومونة"، نوع من الحكم الذاتي، يوتوبيا حقيقية، حيث يتقاسم السجناء الموارد بالتساوي، ويتحملون الأعباء بالتساوي، يواجهون السجانين متحدين، ويثأرون لأي زميل لهم يُستفرَد به. حياة منظمة بهيكلية قيادية ودستور مكتوب، قاعدتها الانتخابات، والالتزام الكامل من قبل الجميع بالقيادات المنتخبة، وتكرار الانتخابات مرتين سنوياً، وتعدد المشاركين في القيادة من مستوى الموجه العام، وهو أعلى مستوى قيادي، وصولاً إلى اللجنة المساعدة من سبعة اشخاص، والمجلس الرقابي من 15 شخصاً وصولاً إلى  موجِّه المجموعة. كيف تحول السجن إلى مدرسة للكادر، بحيث شكل السجناء بعد تحررهم الصف الأول من قيادات الضفة الغربية وغزة في الانتفاضة الأولى وما تلاها. واندمج من غادر منهم نحو الخارج في الصفوف القيادية العليا للثورة الفلسطينية بمختلف فصائلها".

واقع مجسد ضمن نمط روائي

وأكد البيروتي في حديثه لوكالة القدس للأنباء، أنه "لا يمكن اعتبار رواية "مليحة" ضمن روايات الخيال، هي الواقع مجسداً عبر تشكيله ضمن نمط روائي، يمكن اعتبارها رواية، أما اعتبارها سيرة ففيه إجحاف، لأن مراد لا يحاول أن يظهر نفسه كبطل الرواية، هذه ليست سيرة مراد، فما هو في النص سوى الراوي، هو يصف ما يحيط به وما يفكر به، يشذ عن ذلك ميله إلى الجدل الفلسفي ومحاكمة التفكير لديه ولدى الآخرين، من خلال الجدل بينه وبين سائر الأسرى.

مليحة هي خامس عمل للكاتب، سبقه رواية "الشمس تولد من الجبل"، وعلى الرغم من أن الرواية تحمل اسمين، موسى الشيخ ومحمد البيروتي، إلا أن الإسم الأول هو بديل مراد في رواية مليحة، إذا وضعنا موسى بديلاً عن مراد تستقيم الرواية، ولكن بنمط جديد وأحداث مختلفة، "الشمس تولد من الجبل"، تتحدث عن عريف في جيش التحرير، منذ لحظة انطلاقه من عقربا (احدى قرى نابلس)  بداية الستينيات متجها ناحية الكويت، إلى التحاقه بأول كتيبة شكلتها الحكومة العراقية لجيش التحرير الفلسطيني، وصولاً إلى أرض المعارك في الغور (غور الأردن) والعمق الفلسطيني، وانتهاء  بمرحلة سجن عسقلان".

وأشار إلى أن "هناك أيضاً كتابين يحملان عنوان "نُصُب تذكاري 1" ونصب تذكاري 2". هما أيضاً عملان يستندان إلى ذكريات عريف آخر من عرفاء جيش التحرير، حافظ أبو عباية الذي يصف من خلال ذكرياته انطباعاته عن شهداء الحركة الفدائية، بحيث وثقنا من خلال هذه الإنطباعات حالة الثورة الفلسطينية في بداياتها الأولى، العمليات العسكرية، أنماط المقاومة وتحديات السجناء للسجانين.

ثم هناك مجموعة نصوص تحت إسم "رجالات الصف الرابع"، هي "مجموعة مقالات" تقارن بين مرحلتين، مرحلة ياسر عرفات قبيل وبعيد وفاته، والمرحلة التي تلتها، مبيناً أن "هناك حافزاً دائماً لدى الكاتب كي يكتب، هو لا يحتاج إلى ما يحفزه، فقط يحتاج إلى أن تتوفر لديه الظروف، ما هو مهم هو أن العمل الأدبي عمل تذكري، يحتاج الى أن ينضح في وعي الكاتب، العمل الأدبي ليس وصفاً مباشراً، ليس صحفياً، إنه ما اختزنته الذاكرة وعالجته على مدى زمني طويل.

للكاتب، أي كاتب، رسالة يريد إيصالها، هناك من ينجح في فعل ذلك، هناك من يعجز عن إيصال رسالته إلى الآخرين. القارئ هو الحكم في مدى نجاح الكاتب في إيصال فكرته أو رسالته، وليس الكاتب. القارئ يحدد ما إذا كان لدى الكاتب رسالة، وهل أوصلها بشكل لائق أم لا".

164054657161c8c10beedc7

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/186108

اقرأ أيضا