بقلم: راغدة عسيران
تشهد الضفة الغربية المحتلة، منذ بضعة أشهر، تصاعد لافت في عمليات المقاومة ضد الاحتلال، وارتفاع منسوب التفاف الجماهير الشعبية حول المقاومة المسلحة، التي بدأت في منطقة جنين ثم توسعت الى المناطق الأخرى. وباتت المقاومة في منطقة نابلس، وبالأخص تلك التي يخوضها "عرين الأسود"، تؤرق العدو بسبب ضمها الشباب الثائر والمتمرد ضد وجوده، وبسبب تفلته من قبضة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، خاصة بعد انتشار تصريحاتها في أنحاء الضفة الغربية والقدس، التي تدعو الى حمل السلاح ومواجهة الصهاينة في كل مكان.
لقد تمكن انتشار المقاومة في كل مناطق الضفة الغربية المحتلة، من فك الحصار النسبي الذي كان مفروضا، لبضعة شهور، على منطقة جنين وثوارها في كتيبة جنين - سرايا القدس، الذين انتقلوا تدريجيا من حماية المخيّم وأهلها الى شن الهجمات على حواجز الاحتلال، أي من الدفاع الى الهجوم، وهذا ما يقوم به يوميا "الفدائيون الجدد" من شمال الضفة الى جنوبها.
بعد انتشار الفعل المقاوم وتكثيفه في بعض المناطق، رأى المحللون والكتاب أن أسبابه كثيرة، أولها الهجمة الإرهابية الشرسة التي يقودها العدو، جيشه ومستوطنيه، ضد الشعب الفلسطيني في أنحاء الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وصعود اليمين الفاشي الصهيوني الذي لم يترك بشرا ولا شجرا ولا حجرا إلا ما قتله ولاحقه ودمرّه في فلسطين، بنيّة تدمير المجتمع الفلسطيني وتهجير أهله من البلاد.
كما اعتبر المحلّلون أن التركيبة الداخلية للمجتمع الصهيوني واقتراب انتخابات الكنيست يؤثران على صعود الفاشية الصهيونية، حيث أن الصهاينة، بكل توجهاتهم السياسية، يتبارزون لاثبات من هم الأكثر وحشية، لنيل ثقة جمهورهم القادم من وراء البحار، والذي لا يمكن أن يعيش بهدوء وسلام في بلاد غيره، مهما كان دعم المجتمع الدولي لهم.
وبشكل عام، رأى المحللون أن الممارسات الصهيونية الأخيرة، أي الحروب والقتل والاعتقال والحصار وسرقة الأرض، وتدنيس المقدسات، ومحاولات تهويدها، ولا سيما المسجد الأقصى المبارك، هي المسؤولة عن تصاعد المقاومة. وذكروا أيضا انسداد الأفق السياسي أمام الشعب الفلسطيني، بعد توقّف مسار التسوية بين السلطة الفلسطينية والعدو من ناحية، وتوقف العملية السياسية داخل السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتقافيات أوسلو المشؤومة، كما ذكروا أسباب أخرى، كموجة التطبيع الأخيرة التي تدعم الفاشية الصهيونية بكل تجلياتها، ناهيك عن الأوضاع الدولية والإقليمية.
لا شك أن التوحّش الصهيوني المتصاعد وممارسات العدو الإرهابية ضد الكل الفلسطيني يعدّ أحد الأسباب الرئيسية لصعود وانتشار الفعل المقاوم، ويبقى العامل المساعد المباشر لتفجير الأوضاع في حينها، إلا أن أصل العلاقة بين العدو الصهيوني المحتل لأرض فلسطين والشعب الفلسطيني هي علاقة مقاومة بكل أشكالها، وخاصة المقاومة المسلحة، ورفض وجوده من الأساس. منذ بداية الغزو الصهيوني لأرض فلسطين، ومنذ قدوم الجيش البريطاني واحتلاله لهذه الأرض، لم يتوقف الشعب الفلسطيني عن مقاومة وجود المستوطنين والمحتلين، قبل وبعد إقامة كيانهم الغاصب، لأن المقاومة هي الأصل في حياة الشعوب المقهورة، التي احتلت أرضها ومورس بحقها كل أشكال القهر والإذلال.
يتعامل العدو وإعلامه وسياسييه وجنرالاته مع الغضب الفلسطيني والثورة الناشئة ضد وجوده كحالة مؤقتة ومنحصرة جغرافيا لا تمثل، بالنسبة له، الوجدان الفلسطيني عامة، ويعتقد أن بإمكانه القضاء عليها بمزيد من القوة والتوحّش، بالعزل والحصار والعقاب. يتعامل العدو مع الشعب الفلسطيني بشكل عام بطريقة إذلال وعنصرية. لقد بنى سياسته على فكرة أن الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية بشكل عام، لا يهمها إلا رخاءها الاقتصادي ولقمة عيشها، فيتلاعب مع الحصار و"التسهيلات" كلما يريد "معاقبة" الثوار وحاضنتهم الشعبية. يحاصر اليوم مدينة نابلس وقراها، ويعزلها من كل الجهات، كما حاصر قبل أيام وما زال مخيم شعفاط المقدسي، وقبلهما تم عزل جنين وقراها. ويقوم بإقفال المعابر كلما هوجمت من قبل المقاومين. والعدو بذلك "يعاقب" جمهور المقاومة، أي الشعب الفلسطيني، بمنع أهل المقاومين من العمل في الأراضي التي احتلها عام 1948، حيث أقام كيانه الإرهابي، ظنا منه أن "التسهيلات" التي يقرّها تكفي لإسعاد الفلسطينيين، وإبعادهم عن المقاومة.
في دراسة صدرت حديثا عن نظام "الكانتينة" في السجون الصهيونية، توضّح الباحثة لمى غوشة كيف حوّل العدو حقّ من حقوق الأسرى الى أداة قمع وعقاب وإذلال، تماما كما يفعل على الأرض الفلسطينية التي يستعمرها. يتعامل العدو وأجهزته المختلفة مع الشعب الفلسطيني، وكأن لا حق له بالوجود على أرض فلسطين، وكل شيء في حياته موضوع مساومة. لذلك، لا يمكنه استيعاب أي جديد وأي ثورة ضده وأي مقاومة تحتضنها الجماهير. فهو يتصرّف كما تصرّف قبله كل الغزاة الأجانب لأرض ليست لهم، وضد كل مقاومة شعبية ليس بمقدور ذهنيتهم المنغلقة تفهمها والتعامل معها، وليس أمامهم إلا الهروب نحو مزيد من التوحش والإرهاب ضد الشعب المقاوم. وهذا ما يفعله كافة المستعمرين والمستوطنبن في العالم، لأنهم يعتقدون أن قوتهم المادية وسلاحهم وامتلاكهم تقنيات متقدمة تحميهم من غضب الثوار ومن ابتكاراتهم وابداعاتهم وفكرهم الأصيل. عنصريتهم الأصيلة تمنعهم من فهم واستيعاب تطلعات الشعب الفلسطيني الى الحرية، رغم دراساتهم الأكاديمية في السايكولوجيا والتاريخ.
لكن، يعتقد العدو الصهيوني أن بإماكنه القضاء على الثورة والمقاومة بسبب ما أفرزته اتفاقيات أوسلو الكارثية في وعي الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بشكل عام، أو بالأحرى في وعي نخبها، أي إمكانية التعايش مع المحتل، وتقاسم الأرض مع الغزاة بسبب موازين القوى العالمية لصالح العدو ومؤيديه، وبسبب الاتكالية التي شاعت في أذهان الكثيرين، الاتكالية على المجتمع الدولي وأمواله، والاتكالية على العواصم العربية المطبّعة وغير المطبّعة مع العدو، والتي أنتجت ذهنية معادية للفعل المقاوم والثائر، إلا في حدوده المضبوطة والمرجوة من قبل هذه النخبة.
ما زالت السلطة الفلسطينية والذين يقبضون عليها -لأنهم ربطوا مصيرهم بمصيرها وبمصالح العدو-، يسعون الى اختراق المقاومة والثوار، تارة بالاعتقالات والملاحقات، وتارة أخرى بالتفاهمات واللقاءات، ومنها زيارة رئيس وزراء السلطة، محمد أشتيه، الى مخيم جنين، لاقناع المجاهد فتحي خازم، والد الشهيدين، رعد وعبد الرحمن، من التخلي عن الثوار وتسليم نفسه. هذا الصوت النشاذ الصادر من أركان السلطة الفلسطينية هو من يعطي بعض الأمل لقوات العدو بإمكانية القضاء على المقاومة والثورة.
لكن، ولأن مقاومة الظلم هي الأصل وأساس العلاقة مع المحتلين الصهاينة ومشروعهم، كما كانت في مواجهة كافة المستعمرين في العالم، ستبقى المقاومة والثورة مشتعلة في كل الأرض الفلسطينية، إذ لا إمكانية للتعايش مع المحتل المستوطن العنصري. ولا خيار له إلا الرحيل.
