وكالة القدس للأنباء - مصطفى علي
فاجعة غرق "قارب الموت" ضربت المخيمات الفلسطينية في لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، فأعلنوا أهلها الحداد على أرواح أبنائهم الشباب، الذين سقطوا غرقًا شهداء باختيارهم الهجرة على متن قارب الموت، مع إدراكهم جيدًا بأن رحلتهم عبر البحر إلى أوروبا ستكون شاقةً ومحفوفة بمخاطر جمَة، ونسبة النجاة فيها دون الخمسين بالمائة 50%.
شباب في مقتبل العمر أرادوا تحسين ظروفهم المعيشية السيئة التي أحاطت بمخيمهم، بسبب تقصير الأونروا والدولة اللبنانية بتوفير عيشة كريمة لأبناء المخيمات.. باعوا كل ما يملكونه، واستدانوا، من أجل حجز مكان لهم في "قارب الموت"، ظنًا منهم بأنه سينقلهم الى بر الأمان، في الضفة الأخرى للبحر المتوسط، ما يمكنهم من تأسيس حياةً جديدةً مفروشة بالورود في بلدان أوروبا، التي بدأت تعاني اقتصاديًا بفعل، نتائج جائحة كورونا، أولا، والحرب الروسية الاوكرانية، ثانيا.
مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في العاصمة بيروت، كان له حصة من فاجعة غرق القارب، حيث خسر أربعة من خيرة شبابه، وهم: الاخوان نور وأحمد عبد اللطيف الحاج؛ الشاب رواد طارق السيد؛ وعطية كتيع، الذين كتبت ورقة نعوتهم شهداءً على متن "قارب الموت".
يقول محمد، الأخ الأكبر لضحايا مركب الموت، نور وأحمد الحاج، لـ"وكالة القدس للأنباء" الذي حاورته بصعوبة وهو يبكي فراق إخوته، بأنه يعيش هول صدمة الحادثة، إلى غاية الآن .. فهو لا ولن يستطيع محو صورهم من ذاكرته، ولا يصدق بأنه لم يعد يرى إخوته الذين تعوَّد معانقتهم في كل صباح، وحين عودته من عمله.
ويؤكد محمد أنه كان يعارض بشدة فكرة سفر أشقائه عبر القارب. إلا أن تردي الأوضاع الاقتصادية السيئة، وعدم وجود أية بشائر تحسن في الأفق، دفعه إلى التراجع عن منعهم، بالرغم من أن المسلك البحري دائمًا ما كان يشكل خطرًا كبيرًا على حياة المسافرين، وقد حصلت عدة حوادث غرق لقوارب خلال الأشهر القليلة الماضية".
ويختم الحاج كلامه لوكالة القدس للأنباء، محملاً المسؤولية كاملة إلى وكالة الأونروا، التي توجب عليها مهمتها التي تشكلت لأجلها، عدم ترك شباب المخيمات بلا عمل، كما أن المسؤولية أيضًا على الفصائل الفلسطينية التي تسمح بوجود شوائب تجارة المخدرات على عينك يا تاجر، دون أن تحرك ساكنًا، والتي للأسف تعتبر من أهم الأسباب التي تدفع بالأهالي إلى ترك المخيم إما للهجرة أو أقله العيش خارجه".
الشاب رواد طارق السيد، وحيد أمه المفجوعة على غيابه، وقد تربى في كنف عمه أبو عصام الذي تدبَر أمر تربيته بعد وفاة والده طارق وهو لا يزال صغيرًا، هو الآخر سقط شهيدًا على مذبح قارب الموت الذي خلا به في أول الطريق وأعاده إلى أمه جثة هامدة.
يقول أبو عصام السيد عم الشهيد رواد، بأنه كان يعارض بشدة مسألة سفر رواد، كما أنه كان دائمًا يتابع دراسته في المدرسة، إلا أن رواد زاد مؤخرًا من إلحاحه على السفر، فكنا أنا ووالدته بين نارين، فقد خشينا بأن لا نسمح له بالسفر فيغادر المنزل إلى جهة لا نعلمها، لذلك اضطررنا على الموافقة، علَه يكمل دراسته في أوروبا".
ويضيف: "لا عمل لهؤلاء الشباب، والأونروا غايبة عن دورها من أجل مساعدة الشباب العاطل عن العمل، لذلك الشاب يجد في السفر فرصة من لتحسين وضعه المالي".
ووجه أبو عصام النصيحة لكل شباب المخيمات بعدم الهجرة عبر مراكب الموت، وأن يبلغوا للدولة اللبنانية عن سماسرة الموت الذين لا يخافون الله".
وحمل أبو عصام في ختام حديثه لوكالة القدس للأنباء، المسؤولية الأولى والأخيرة لحادثة غرق المركب لوكالة الأونروا، قائلاً: "الأونروا مسؤولة عن موت أبنائنا، كونها أفرزت من رحم اللجوء لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وللأسف لم نر من هذه الاغاثة إلا الفتات القليل".
