في الذكرى الأربعين لحرب لبنان الأولى (1982) ومجزرة صبرا وشاتيلا الفظيعة (أيلول - سبتمبر 1982)، يُواصل كيان الاحتلال محاولة سبر غور الأحداث ويُجمع الخبراء والمحللون والمستشرقون الصهاينة على عامليْن هاميْن في السياق التاريخيّ لهذيْن الحدثيْن: الأوّل، فشل محاولات سلطات الاحتلال في إلزام “ابنها المُدلل” بشير الجميّل بالتوقيع على اتفاق سلامٍ، رغم مدّ تنظيم (الكتائب) بالأسلحة والعتاد منذ أواخر السبعينيات، مع التأكيد أنّ "لإسرائيل" لا ناقة ولا بعير في عملية اغتياله. أمّا العامِل الثاني، فهو التشديد "الإسرائيليّ" الرسميّ وعبر مراكز (الأبحاث) و(الدراسات) على أنّ جيش الاحتلال لم يُشارِك في تنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا، ولم يُعطِ الضوء الأخضر للكتائب بتنفيذها، وغنيٌّ عن القول إنّ الرواية "الإسرائيليّة" تستنِد إلى تخمينات ولا ترتكِز على حقائق، وهي تناقض ما ورد بلجنة التحقيق "الإسرائيلية" فينوغراد.
في هذا السياق، رأى الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند، الرئيس السابِق لمجلس الأمن القوميّ الإسرائيليّ، رأى أنّ “الدرس الأول هي مسألة الرواية، فقد تبنّى كبار القادة السياسيين والأمنيين القصة التالية: هناك أناس سيئون وصالحون في لبنان. "الأشرار" هم الفلسطينيون الذين تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية يدمرون لبنان من الداخل ويهددوننا بالصواريخ وأعمال الإرهاب. لسوء الحظ، لم تعكس هذه الرواية الطفولية إلى حد ما الواقع، فقد تبينّ أنّ معظم “الأشرار” المزعومين هم فلسطينيون كانوا (وما زالوا) من سكان مخيمات اللاجئين ومن ناحية أخرى، تبين أنّ “الأخيار”، الكتائب، فاشيون وعنصريون، تنظيم جبان وخائن”، على حدّ تعبيره.
"علاوة على ذلك”، أوضح الجنرال آيلاند، “أن الرواية التي تمّ تبنيها وتعامل معها الفلسطينيون من جهة، والكتائب من جهة أخرى، تجاهلت وجود حوالي 80 بالمائة من سكان لبنان – شيعة وسنة ودروز ومسيحيين من غير الكتائب، بالإضافة إلى سوريين كانوا يسيطرون على جزء من لبنان. 80 في المائة من هؤلاء لم يكونوا في القصة، لكنهم كانوا أيضًا في الواقع، وبالتالي، كلما زادت الفجوة بين القصة والواقع، كان من الأسهل الانجرار إلى الأخطاء على الأرض. يجب أنْ ندرك أيضًا هذا الجانب عندما نعتمد روايات لقطاعات أخرى، بما في ذلك غزة والقدس وغيرهما”، على حدّ قوله.
وتابع في مقالٍ نشره بصحيفة (يديعوت أحرونوت) العبريّة أنّ “الدرس الثاني يرتبط مع الأول، هو الهدف الحقيقي للحرب، وكان كما ورد، إحداث تغيير في النظام في لبنان. لكن كان الخوف من أنّ هذا الهدف لن يحظى بتأييد شعبي واسع، وبالتأكيد ليس في العالم. لذلك تم تحديد غرض وهمي عسكري بحت ومتواضع، لإبقاء الإرهابيين (عناصر منظمة التحرير الفلسطينية) على بعد 40 كم من الحدود، (أقصى مدى للصواريخ في ذلك الوقت). بالنسبة للسؤال: ما الذي نريد تحقيقه، أو لماذا نواصل العملية أو الحرب؟ (الهدف)”.
وأردف الجنرال "الإسرائيليّ" أنّه “من ناحية ثانية، تعريف “المهمة”. المهمة هي الإجابة على السؤال: ما العمل (لتحقيق الهدف)؟ لذلك فإنّ المبدأ الأول للحرب هو “الالتزام بمهمة في ضوء الهدف”. عندما يكون بند الهدف غير واضح، وفي هذه الحالة يكون مخفيًا، فليس من الواضح أي مهمة يجب أن نلتزم بها".
وأوضح آيلاند:”هكذا حدث أنه في اثنين من قطاعات العمليات الثلاثة، الوسطى والشرقية، تقدم الجيش "الإسرائيلي" ببطء لمدة خمسة أيام لكنه وصل إلى مدى 40 كم، وهنا في اليوم الأخير، عندما أدرك فجأة أنه تحت ضغط دولي كان علينا أنْ نتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غضون يوم واحد، وأمرنا على عجل بالتحرك شمالاً بسرعة والاستيلاء على طريق دمشق – بيروت".
ولفت أيضًا إلى أنّ “السيطرة على هذا المحور كانت ضرورية في ظل الهدف الحقيقي، السيطرة على دولة لبنان، لكن قادة الفرق لم يعرفوا ذلك! النتيجة: في القطاع الشرقي علقت فرقتان في وسط اللا مكان، وفي القطاع الأوسط كان علينا خرق وقف إطلاق النار (والكذب على أنفسنا والعالم)، والتقدم نحو الطريق المرغوب وفقدان العديد من المقاتلين على طول الطريق”، وفق مزاعمه.
وخلُص الجنرال آيلاند إلى القول إنّ “الدرس الثالث يتعلق بتصريح رئيس الوزراء آنذاك مناحيم بيغن، الذي اعترف بأنّ لبنان كانت “حرب اختيار”، أي ليست حربًا فُرضت علينا، بل هي حرب بدؤوا فيها من منطلق الرغبة في تحسين وضعنا الاستراتيجي. في الواقع، هذا امتياز للقوى (وحتى مع ذلك، فإنّ النجاح ليس مضمونًا، انظر إلى الحرب في أوكرانيا)، لكن من المشكوك فيه ما إذا كان ذلك يناسبنا”، كما قال الجنرال الإسرائيليّ غيورا آيلاند.
يُشار إلى أنّ لجنة تحقيق رسمية "إسرائيليّة" التي تقصّت الأحداث في حرب لبنان الأولى، 1982، وجدت أنّ وزير الأمن آنذاك، أرئيل شارون، كذب على رئيس الوزراء والوزراء الّذين احتقرهم، وورّط "إسرائيل" في حربٍ لم يُخطط لها، وقررت اللجنة منعه من تبوأ منصب وزير الأمن مدى الحياة.
كما وجب التنويه إلى أنّه بعد مرور 40 عامًا على مجزرة صبرا وشاتيلا، فإنّ المجرمين الّذين نفّذوها لم يُقدّموا للقضاء، وما زالوا أحرارًا ويمثّلون تياراتٍ سياسيّةٍ في بلاد الأرز