بقلم: راغدة عسيران
يواصل الأسير المجاهد خليل عواودة الإضراب عن الطعام طلبا لحريته، منذ أكثر من خمسة شهور. يواجه الأسير البطل منظومة استعمارية متكاملة، بسجانيها وأجهزة مخابراتها وحكومتها ومحاكمها وإعلامها، بجسده وجوعه. رغم ذلك، معنوياته عالية، كما أكدّت زوجته بعد زيارته قبل أيام، بالقول "أن خليل مصمّم على مواصلة إضرابه عن الطعام حتي ينتزع حريته وأكد لي أن إضرابه ليس ضد الحياة إنما ضد القيد ومن أجل انتزاع حريّتي" (13/8).
وقد أتت هذه الزيارة تلبية لما وصل اليه "الوسيط" المصري لدى كيان العدو، الذي لم يتمكن حتى الآن من الإفراج عنه، بسبب التعنت "الإسرائيلي" واتخاذه قرار تصفيته منذ عدة أشهر، ان لم يتراجع المجاهد خليل عواودة عن معركته. معركة الأسير البطل ليست معركة عادية، رغم أن كل معركة يخوضها الأسرى ليست عادية، خاصة إن كانت بشكل الإضراب عن الطعام. لكن ما يميّز هذه المعركة التي بدأت قبل 5 شهور هي أن من يخوضها ينتمي الى حركة الجهاد الإسلامي، الحركة التي أرهقت العدو ومرّغت أنفه في الأرض.
لقد أرهقته بالمعارك المتتالية التي خاضها أسراها بالاضراب عن الطعام من أجل انهاء الاعتقال الإداري. لقد شارك أسرى من حركات مقاومة أخرى في هذا النوع من المعارك، لكن كان العدد الأكبر لأسرى حركة الجهاد الإسلامي، خاصة بعد معركة الكرامة التي خاضها القيادي في الحركة، الشيخ خضر عدنان في 2012، حيث شارك فيها العشرات من الأسرى المجاهدين. منذ ذلك الحين، لم تتوقف المعارك التي يخوضها أسرى الحركة ضد الاعتقال الإداري، وقد تكلّلت جميعها بالحرية، وإن كانت لبعض الوقت، حيث أن العدو ظلّ يلاحقهم ويزج بهم في السجون، دون أي سبب، كما هو حال الاعتقال الإداري، لكن فقط لكونهم ينتمون الى حركة مجاهدة تبنّت استراتيجية المواجهة المستمرة معه، في السجون وخارجه.
لقد مرّغت أنفه بالأرض من خلال عملية الهروب الكبيرة من سجن جلبوع، في 6 أيلول/سبتمبر 2021، بعد معركة "سيف القدس"، التي نفذّها خمسة أسرى ينتمون الى حركة الجهاد الإسلامي وأسير ينتمي الى كتائب شهداء الأقصى (فتح)، بقيادة الأسير المجاهد محمود عارضة، وبمساعدة أسرى آخرين ينتمون الى الحركة، وكلهم من منطقة جنين. رغم إعادة اعتقال الأبطال الستة، إلا أن هذه العملية أكّدت على هشاشة العدو الصهيوني وضربت هيبته المتآكلة بالصميم، وهو الذي يحاول الى الآن، أي بعد قرابة سنة، من الانتقام من أسرى حركة الجهاد الإسلامي بشكل عام ومن الأسرى الأبطال الذين نالوا منه بشكل خاص.
ما يزعج أيضا العدو، هو الاحتفالات المتكررة في مناطق الضفة الغربية لاستقبال الأسرى المحررين، وخاصة الذي خاضوا المعركة ضد الاعتقال الإداري. تشكل هذه الاحتفلات مناسبة لشدّ الهمم وتثقيف الجمهور الشبابي الناشئ حول النضال والأسرى وضرورة مواجهة العدو المستمرة، والتذكير بتضحيات هؤلاء المجاهدين من أجل حرية الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بشكل عام، ووجوب الدفاع عنهم. كان القائد المجاهد الراحل، الدكتور رمضان شلح، قد نبّه الى أهمية الدفاع عن الأسرى قائلا : "إن دفاعنا عن الأسرى هو دفاع عن إنسانيتِنا، وهو التعبير الطبيعي المشروع عن مقاومة العبودية ومحاولة سلبنا الحياة بعد أن سلبونا الوطن." (في ذكرى النكبة عام 2017).
أثناء المعركة التي خاضها الأسير هشام أبو هواش التي انتهت بعد 141 يوما من الإضراب عن الطعام، بنيل حريته، وبعدها، قرّر الكيان الإرهابي عدم السماح للأسرى من خوض هذا النوع من النضال، وخاصة إن كانوا ينتمون الى حركة الجهاد الإسلامي. يسعى العدو الإرهابي الى تكثيف الاعتقال الإداري وتمديده ومنع أي معركة ضد هذا النوع من الاعتقال، برفض التفاوض مع المضرب عن الطعام أو إرغامه بوقف معركته إذا تدهورت صحته، أي منعه من الرقابة الطبية خلال معركته.
لكن اضطر العدو، رغم ضغط الشارع الصهيوني وإعلامه، واستفزازات المستوطنين، الى الإفراج عن الأسير أبو هواش بعد تهديدات حركة الجهاد الإسلامي التي أعلنت أنها ستتعامل مع استشهاد الأسير البطل وفقا لالتزامها "بالرد على أي جريمة اغتيال يرتكبها العدو". قبل معركة "وحدة الساحات" الأخيرة، كانت الحركة تتعامل مع ساحة السجون والأسرى بنفس المنطق، أي وحدة الساحات كلها، بما فيها ساحة السجون والأسرى، التي تضم المناضلين والفدائيين والمجاهدين، والذين يخوضون معارك صعبة ومنهكة، والذي يربكون أيضا العدو بنضالاتهم وتنظيمهم وجهدهم وتضحياتهم، لأنهم يرفضون الانحناء ويطمحون الى الحرية.
مع استمرار معركة الأسير المجاهد خليل عواودة ضد الاعتقال الإداري، يزداد تخبّط أجهزة الكيان الاستعماري أكثر فأكثر، بسبب فشل كل محاولات الأجهزة القمعية والطبّية والقضائية والسياسية من وقف معركته. منذ بضعة شهور، تتلاعب هذه الأجهزة بحياته وبصحته، دون أي مبرّر إلا تحديّها لحركة الجهاد الإسلامي التي ينتمي اليها الأسير. يسعى العدو الانتقام منها بسبب الافراج عن العشرات من الأسرى الذي أربكوها وحطمّوا هيبته وقوانينه الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني، ووقوف الحركة بكل وسائلها أمام سيطرته ووحشيته، وخاصة أن ليس لدى الكيان المجرم أي وسيلة لإخضاع أبناء حركة الجهاد الإسلامي، لا في السجون ولا خارج السجون، كون لا توجد مساحة مشتركة يمكن التفاوض فيها وعليها.
لكن، بعد معركة "وحدة الساحات" التي خاضتها سرايا القدس، ردا على اغتيال الشهداء القادة تيسيير الجعبري وخالد منصور، وبعد الاستنفار لعدة أيام الذي فرضته سرايا القدس على منطقة "غلاف غزة" ومستوطناتها وثكناتها العسكرية من أجل الأسرى ومن أجل الأسير المجاهد خليل عواودة بالذات، هل ما زال العدو مستعّد لتبعات إعدام الاسير تلبية لايديولوجيته العنصرية والفاشية، أو قد يجد مخرج للإفراج عنه، دون إعطاء الحركة أي إشارة بأنه رضخ لها ولصواريخها وتهديداتها ؟ ذلك لأن الأسير البطل لن يتراجع الآن، وسيواصل معركته لنيل الحرية أو الاستشهاد، وقد يتصاعد الضغط الدولي على الكيان، بغياب أي ضغط إقليمي يذكر، للمطالبة بالافراج عنه.
