/مقالات/ عرض الخبر

58 مستوطنة غير قابلة للحياة

2022/08/15 الساعة 09:59 ص
صواريخ المقاومة نحو المستوطنات
صواريخ المقاومة نحو المستوطنات

بقلم: راغدة عسيران

خلال معركة "وحدة الساحات" التي خاضتها سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ردا على العدوان الصهيوني الإرهابي على قطاع غزة، واغتيال قائد المنطقة الشمالية في سرايا القدس الشهيد تيسير الجعبري، ثم قائد المنطقة الجنوبية الشهيد خالد منصور، وأخوانهما، كان "غلاف غزة" ومستوطناته ال58، هدف المقاومة الرئيسي. لقد تم استهدافه بقذائف الهاون والمئات من الصواريخ التي كانت دقيقة، كما اعترف بعض قادة العدو بعد انتهاء العدوان، وفشلت القبة الحديدية في اعتراض أكثر من 80% من صواريخ المقاومة، رغم ادعاءاته في بداية العدوان لتطمين مستوطنيه وأصدقائه.

وقبل بدء المعركة شُلت الحياة بشكل تام بهذه المستوطنات، بعدما أعلنت سرايا القدس استنفارها، ردا على اعتقال ومحاولة اغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي بمخيم جنين، الشيخ بسام السعدي. وبقي الاستنفار ساريا لأكثر من يومين، دون إطلاق أي رصاصة باتجاه مستوطنات الغلاف. حيث عاش المستوطنون حالة رعب حقيقي، بانتظار الصواريخ والقذائف، في بيوتهم أو في ملاجئهم. وآثر البعض منهم الهرب الى شمال الكيان، بحثا عن أماكن أكثر أمنا. هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها شلّ الحياة في هذه المستوطنات، دون استهدافها مباشرة بالقذائف والصواريخ، ولا حتى بالبالونات الحارقة.

رغم أن بعض المحلّلين شكّكوا في هذا الإنجاز المهّم للمقاومة، معتبرين أن الصهاينة خططوا أصلا لكل المعركة واستغلّوا الاستنفار لتفريغ المستوطنات (سرّا!) من سكانها تمهيدا لعدوان مركّز، إلا أن ما يظهر اليوم، بعد انتهاء المعركة وتصفية الحسابات السياسية بين الأحزاب الصهيونية، هو أن مستوطني غلاف غزة عاشوا أيام رعب في مستوطنات كادت أن تصبح فعلا "غير قابلة للحياة" إن استمر استهدافها من قبل المقاومة.

لقد فرضت المقاومة هجرة المستوطنين، كما حصل في اليوم قبل الأخير لسكان مستوطنة سديروت، وأمضى قرابة 4 ملايين منهم أياما تحت الأرض في الملاجئ، في الوقت الذي كان يتم فيه قصف المنشآت الاقتصادية والبيوت والمركبات.

هذا هو بالتحديد ما سعت اليه سرايا القدس، وفقا لناطقها الرسمي أبو حمزة الذي صرّح خلال العدوان "نعاهد الله ثم أبناء شعبنا وأمتنا بجعل ما يسمى "غلاف غزة" بما يحتوي من مدن ومغتصبات محتلة إلى مكان غير قابل للحياة، وسنذهب إلى مديات أبعد وأبعد -بعون الله وقدرته"، قبل الإعلان عن وقف العدوان. وظلت الصواريخ تنهال على هذه المستوطنات حتى آخر دقيقة، كما صرّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، القائد زياد النخالة، في آخر مؤتمر صحفي خلال العدوان: مشددا على أن "المقاومة سجلت نقاطاً كثيرة، فقد استهدفت 58 مستوطنة ومدينة محتلة في دقيقة واحدة، وكانت تل أبيب وأسدود وعسقلان وغيرها من المدن المحتلة تحت القصف من سرايا القدس، وسيطرنا على الميدان العسكري".

يتشكّل "غلاف غزة" من مستوطنات تم زرعها منذ العام 1948، على الأراضي التي كانت تابعة لقضاء غزة، قبل النكبة، والتي تقع في شمال وشرق المنطقة التي أصبحت قطاع غزة اليوم. احتل الصهاينة هذه المنطقة ودمّروا قراها وبلداتها، وهجّروا أهلها الذين أصبحوا لاجئين ينتظرون العودة. لقد تطورت بعض هذه المستوطنات التي زرعت على أراضي القرى التي هجّر أهلها، وأصبحت مدنا (أسدود، سديروت على أراضي قرية نجد المهجرة والمدمرة)، أو قواعد عسكرية، وتم ربط بعض المستوطنات لتصبح مجمعّات إستيطانية، كتجمّع اشكول الواقع جنوب شرق القطاع.

ومنذ العام 1948، استقطبت هذه المستوطنات الناشئة اليهود القادمين من بلدان أوروبية وإفريقية وعربية. وكما ورد في مقال للباحث جهاد أبو ريا، عن قرية هربيا الفلسطينية، المهجّرة والمدمرّة، لقد تم أحيانا إقامة عدة مستوطنات على أراضي قرية واحدة. ولأنها على الأطراف الجنوبية من الكيان الصهيوني، كان المستوطنون الجدد الذين يتم جلبهم من دول العالم يرفضون البقاء بها، لبعدها عن "المركز" المتطوّر، لكن كان يتم إغراءهم للسكن فيها من خلال المساعدات المالية ومحفزات البناء وغيرها. واستمر الكيان الصهيوني في زرع المزيد منها، وخاصة بعد الانسحاب من سيناء في بداية ثمانينيات القرن الماضي، حيث تُعتبر خطا أوليا ضد الدول العربية، رغم اتفاقيات "السلام".وقبل أشهر، خلال الهبّة في قرى النقب والحملة الأمنية المسعورة ضد أهلها، صرّحت وزيرة الداخلية في الحكومة الصهيونية السابقة أيليت شاكيد، أن الكيان ينوي إقامة مستوطنات جديدة في "منطقة الجنوب" أي النقب و"غلاف غزة".    

منذ عقود، وخاصة منذ الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة في العام 2005 وتحرير المستوطنات التي كانت داخل القطاع، أصبحت مستوطنات الغلاف هدفا للمقاومين، بالتسلل اليها وتنفيذ عمليات هجومية بداخلها، أو بقصفها. ومع تطور مدى صواريخ المقاومة، لم تعد فقط المستوطنات القريبة هي المستهدفة، بل باتت المستوطنات البعيدة أيضا والمشمولة تاريخيا في قضاء بئر السبع جنوبا وقضاء الرملة شمالا تحت نار المقاومة.

لقد شكّلت مسيرات العودة التي انطلقت في يوم الأرض (30/3/2018) انعطافة مهمة في استهداف المستوطنات القريبة نسبيا من قطاع غزة، حيث أنها أحيَت مسألة العودة الى الأرض والبلدات التي إقيمت عليها هذه المستوطنات، واعتبارها غير شرعية لأنها ملك للشعب الفلسطيني، ولأن المسيرات أحيت العمل والوعي الشعبي حول ضرورة تحرير الأرض وإزالة هذه المستوطنات، على الأقل، وفي مرحلة أولى. وكانت البالونات الحارقة التي أطلقها الشباب الثائر أو الأضواء والمشاعل التي أطلقها شباب الإرباك الليلي نحو هذه المستوطنات كفيلة في جعل المستوطنات القريبة من قطاع غزة غير قابلة للحياة. اندلعت الحرائق في الأحراش والغابات والمزارع، وأحيانا بكثافة جعلت المستوطنين يتذمرون ويهددون قياداتهم بالنزوح عنها، وكذلك فعلت عمليات الإرباك الليلي، وكل ذلك دون أي طلقة رصاص.

المقاومة الشعبية والمسلحة جعلت هذه البقعة المحاطة بقطاع غزة منطقة شبه معزولة وشبه منكوبة، خاصة عندما يشعر سكانها بعدم الأمان فيها ويضطرون الى النزوح عنها، فرديا أو جماعيا، نحو مناطق أخرى. هي إحدى تكتيكات الحرب الشعبية وحرب العصابات التي استخدمت في بلدان أخرى، كفيتنام مثلا. لا أهمية إن كانت هذه المستوطنات مزروعة منذ 1948 أو 1967، فكلها مستوطنات يعيش فيها مستوطنون قدموا من وراء البحار، ليحلوا مكان شعبها الأصيل.

توحيد ساحات المعركة ضد الصهاينة هو أيضا السعي لجعل مستوطنات الضفة الغربية والقدس مكانا غير آمن وغير قابل للحياة، بقوة الجماهير وسلاح المقاومين، خاصة بعد توسيع دائرة الكتائب المقاومة (جنين ونابلس وطولكرم وغيرها).

لقد استخدم أهل قرية بيتا، جنوب نابلس، تكتيك الإرباك الليلي ضد المستوطنة التي يسعى العدو لإقامتها على جبل صبيح، وهي إحدى الوسائل المتاحة لطرد المستوطنين، وكان قد نفّذ المجاهدون عدة عمليات فدائية داخل أو على أطراف المستوطنات، ومن بينها عملية الشهيد أشرف نعالوة في المجمع الاستيطاني "بركان" في العام 2018، والعملية ضد مستوطنة "حومش" التي اتهم بها الأسيرين البطلين عمر وغيث جرادات في أوخر العام 2021.

الأمثلة كثيرة والفعل المقاوم لا ينتهي. فالمقاومة الصاعدة في الضفة الغربية والقدس هي الحلّ الوحيد على طريق تحرير فلسطين وعودة اللاجئين.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/184202

اقرأ أيضا