قائمة الموقع

"بزوغ الفجر":هجوم استباقي لاستعادة الردع

2022-08-07T10:44:42+03:00
حوراء قبيسي

 

لم تبدأ العملية العسكرية "بزوغ الفجر" ضد قطاع غزة مع الإفراج العلني عن الخطة، بل قبل ذلك، إلى المرحلة التي سبقت حتى اعتقال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الشيخ بسام السعدي؛ فلم "يبزغ الفجر" إلا حين "اصطفاف النجوم" بالتعبير الذي وصفته صحيفة يديعوت أحرنوت، والذي كان باغتيال القائد تيسير الجعبري ورفاقه من سماء غزة.

استرجاع بسيط للمجريات يكشف أن القرار الاستباقي لشن العدوان هذه المرة أتى مخالف لمسار المؤسسة الأمنية في "تل أبيب" بتجنب الخروج للحرب ابتداءً منذ حرب تموز عام 2006، فما الذي قرأه صنّاع القرار في مفردات الصرّاع استدعى هذا التصعيد وبهذا التوقيت الحساسّ؟

كسر "تكامل الساحات"

السؤال هنا يتحول إلى جواب بذاته أي"التوقيت"؛ فإذا ما أردنا تجزئة المشهد الكليّ حالياً؛ نرى جبهة جنين التي تصدرت المشهد منذ معركة "سيف القدس" والتي تزداد حضوراً واتسعاً مع استنساخ كتيبة جنين-سرايا القدس في مدن الضفة: نابلس وطوباس وبيت لحم...في تهديد لا تراه المؤسسة الأمنية يقل خطورة عن جبهة غزة، ضمن معادلة تربط بين الجبهتين، فكان لا بد من خطة تُنزل الجهاد الإسلامي عن الشجرة، خاصة أن الحركة لا تخضع للحسابات الداخلية أو الخارجية أو السياسية التي قد تُحييدها عن قرار الرد.

جرى ذلك بالتزامن مع الإعداد لضربة نوعية تعيد اعتبار قوة الردع التي تآكلت بفعل المقاومة، ونقل الثقل الأمني من جنين إلى غزة، والأهم من ذلك عزل الساحات "المتصلة بجبهات موحدة"، ولعل تسمية سرايا القدس لعملية صد العدوان بـ "وحدة الساحات" جاءت ضرباً للهدف.

وما أردات "إسرائيل" قوله بقرارها هو أن على الجهاد الإسلامي ترك الضفة وجنين لمصيرها، لذا حاولت الإيحاء بأن الجولة القتالية الحاليّة تقع بينها وبين الجهاد الإسلامي حصراً، وهو ما يتوافق مع تحليل المراسل العسكري والأمني في قناة "كان"، إيال عليمة، بأن الأجهزة الأمنية خططت مسبقاً لمثل هذه العملية، سواء من أجل اغتيال قيادات عسكرية في سرايا القدس، أو بهدف إبطال التهديدات الفورية من القطاع ومنع فصائل المقاومة من فرض معادلة جديدة على جبهة غزة.

صناعة الهوية القيادية

يدخل التوقيت على خط القرار مرة أخرى، في ما تعتبره حكومة لابيد "تحدي المرحلة المفصليًة"، حيث يرى كل من رئيس حكومة الاحتلال يائير لابيد- الذي يأتي من خلفية غير أمنية- ووزير حربه بيني غانتس في قرار العدوان فرصة لصياغة هويتهما السياسية والأمنية والظهور كقائدَين يمتلكان جرأة المبادرة إلى خيارات عملياتية واسعة، لذا كانت "عملية لابيد (بزوغ الفجر) غير عادية؛ لأنها تأتي من شخص يقع على عاتقه عبء ضمان الوضع الأمني إذا أراد أن يبقى رئيساً للوزراء" حسبما كتب عميت سيجال محلل الشؤون السياسية في "القناة 12".

هنا يرى كل من لابيد وغانتس في نظرتهما الأبعد للعملية العسكرية، عملية تشكيلية لملامح الائتلاف الحكومي الإسرائيلي المقبل، في وقت يغيب فيه حزب الليكود عن الحكومة، ويدور نزاع ليس بخفي بين نتنياهو ولابيد، وآخرمبطّن بين لابيد وغانتس في صراعهم على معسكر يسار الوسط.

استنفار "هجومي"

ثم أتت مرحلة ما بعد قرار فرض الحصار على غلاف غزة، كإجراء يبدو في ظاهره مماثل للخطة الأمنية المتبعة عادة في واقعة مشابهة، كاغتيال القيادي بهاء أبو العطا عام 2019، ويومها أيضاً أصدرت المؤسسة الأمنية قراراً بالإخلاء والتقييد على مستوطني الغلاف، الذي أنذر حينها بأن خطة ما تُصاغ تحت الطاولة.

مع ذلك، فاقت السرديات الميدانية حدود الحذر الأمني إلى استنفار شامل،  كأن يزور رئيس الأركان، أفيف كوخافي، فرقة غزة 3 مرات خلال 24 ساعة، ويجري تقييماً للوضع العملياتي، أي بمعنى آخر كان يتفحص جهوزية أركان جيشه للضربة الاستباقية التي رأيناها وهو ما أكده مراسل موقع "واللا" العبري بأن التعزيزات "ليست دفاعية بل هجومية"، في قرار هو يعلم أنه تجاوز لكل الاتفاقيات السابقة التي تقضي بوقف اغتيالات القادة بمعزل عن مدى تطور الوضع الأمني، لذلك استعدّ الجيش لمرحلة ما بعد "سقوط الخطوط الحمراء".

إلا أن محاصرة مليون و400 الف مستوطن في الملاجئ ولمدة دخلت اليوم الرابع، بواقع فرضت فيه الجهاد الإسلامي شللاً حياتياً، اكسب العملية المعلنة دفعاً يختلف في جدواه عن المعايير السابقة، استدراكاً للتذمرالمتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي، والانتقادات التي وصلت إلى حد السخرية، وما رافقه من موجة استهزاء طالت هيبة الجيش، فيما وصفته يديعوت أحرنوت "بنوبات الازدراء التي اجتاحت وسائل الإعلام ومستوطني الغلاف وإطلاق مسمى "الردع الضائع" وأنه تم التخلي عن مصيرهم بينما في وسط البلاد كانت الحياة مستمرة كالمعتاد".

وعندما استشعرت حكومة لابيد أن الحصار يطوق عنقها، ولضرب سيناريو التهديد الأمني، مع انجرار الإعلام العبري إلى المستنقع بالحسم الذي صورته صحيفة يديعوت أحرنوت في افتتاحيتها "إذا كان الإرهاب يستهدف زرع الرعب والخوف، وتهبيط المعنويات، وتشويش الحياة العادية، وكل ذلك لضمان الأهداف السياسية. فان الجهاد الاسلامي حقق كل هذه الاهداف في هذه المواجهة دون أن يطلق صاروخا واحدا" كان وقت لـ"بزوغ" القرار.

فبين أن تقع "إسرائيل" رهينة تهديدات المقاومة في غزة، أو استعادة الثقة الضائعة، اختار لابيد صناعة حدث يكسر حالة العجز ليظهر بحالة المتحكم بالميدان، في جولة قتالية تُشن بإدارته، يكون فيها صاحب قرار السلم والحرب، وإلى جانبه غانتس الذي صرّح:"أود أن أؤكد أن وقتكم قد انتهى، وتهديدكم لمنطقة الغلاف سيزول بطريقة أو بأخرى".

هنا تقدمت "تل أبيب" ميدانياً باستغلال جدلية المفاوضات وباغتت الجهاد الإسلامي، وهي في أقصى جهوزيتها واحتياطاتها، كما أفاد مراسل موقع صحيفة "مكور ريشون"، نوعم أمير، بأنه تمّ افتتاح معسكر القيادة العليا في غرفة قيادة العمليات تحت الأرض في "الكرياه"، وأن الجيش يستعدّ لتوسيع انتشار القوات البرّية على حدود غزة.

كل هذا في "موسم ساخن" على حد قول المحلل العسكري ألون بن دافيد في صحيفة "معاريف"، وبضوء تهديدات استراتيجية متعددة الأقطاب، ومعسكر غربي غارق في دوامة الأزمات، يضاف إلى ذلك عودة المفاوضات النووية في فيينا، وتهديدات حزب الله في الجبهة الشمالية على قاعدة "إما الحق أو الحرب"، لكن يبدو أن "إسرائيل" تريد تحقيق انجازات على الرغم من سخونة الأجواء الإقليمية والداخلية غير مواتية لاستراتيجيتها العامة.

ضبابية الصراع

ومع الإنتقال إلى المواجهة العسكرية، غلبت على التصريحات الإسرائيلية محدودية الوقت والهدف، في استراتيجية تتعمد فيها فصل الأطراف عن بعضها، لتبقى الإشكالية هنا في ضبابية الصراع المفتوح، ومآلاته..

من جهة خوف لابيد المبطن في تصريحه الأخير من جولة متواصلة قد تتسع فيها بقعة الزيت "سنزيل التهديد وليأخذ من الوقت ما يأخذ"، فهل التقديرات المؤسسة العسكرية بالدقة التي تسمح بخوض عملية مفتوحة تسيطر فيها على خواتيم الجولة كما بدايتها، أم أنها قد تطلق بذلك الرصاصة الأخيرة على موسم لابيد-غانتس الانتخابي، في وقت يعبأ فيه الجهاد الإسلامي للنفس الطويل والمواجهة الشاملة.

ومن جهة أخرى أتى تصريح غانتس أقرب إلى الخطاب الشعاراتي ورغبة برسم معادلات جديدة متوعداً أن كل من يهدد الأمن بأنه "لن يبقى على قيد الحياة"، لكن هل يملك غانتس الخطة التي تضمن عدم تعقد الأمور أكثر وتجنب الإنجرار إلى ساحات أخرى.

في "إسرائيل" يرى المحللون أنه "لكي ينجح لابيد يحتاج أن يقصر مدة هذه المعركة قبل أن تتعقد" كما أفاد  عميت سيجال محلل الشؤون السياسية "القناة 12"، بينما يذهب المحلل العسكري في "هآرتس" يوسي مليمان لتبني نظرية الأهداف المعلنة ووقف التصعيد "على إسرائيل أن تعلن أنها حققت أهدافها وتوقف الجولة قبل أن يتعقد الوضع.  لكن تمديد المعركة لأسبوع آخر،غلطة"، وبالأخص مع استحقاق قادم حيث سيتم " اقتحام الأقصى في التاسع من آب، وإذا ما تطور سيكون قادر على تعقيد المشهد أكثر وخاصة في القدس والضفة الغربية و48" حسب عاموس هارئيل محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس".

اخبار ذات صلة